
في بلداننا ، كثيرا ما يتحول الرجال الأقوياء إلى أهداف مباشرة عندما تتغير موازين السلطة، فحين تكون الديمقراطية هشة، وتغيب المؤسسات المستقلة، يصبح النفوذ السياسي أقوى من القانون، وتصبح تصفية الخصوم أكثر حضورا من الاحتكام إلى العدالة. وفي هذا السياق، يبرز اسم زيدان ولد احميده باعتباره واحدا من أبرز الأطر الوطنية التي دفعت ثمن الكفاءة والطموح السياسي في موريتانيا.
لم يكن الرجل مجرد وزير يؤدي وظيفة إدارية عابرة، بل كان رجل دولة حقيقي، يمتلك كفاءة عالية و رؤية اقتصادية جعلت منه واجهة موريتانيا في ملفات استراتيجية معقدة، واستطاع خلال سنوات حكم الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع أن يفرض نفسه كأحد أكثر الشخصيات قربا من دوائر القرار، وأكثرها ثقة لدى الشركاء الاقتصاديين والمؤسسات المالية الدولية.
غير أن السياسة في الأنظمة الهشة لا تعترف دائما بالكفاءة، بل كثيرا ما تخشاها.
ففي سنة 2005، وقع الانقلاب العسكري الذي قاده العقيد اعل ولد محمد فال ضد الرئيس معاوية ولد الطايع، ليدخل البلد مرحلة جديدة عنوانها المعلن “العدالة و الديمقراطية ”، بينما حمل الواقع غير ذلك،فبدأت تصفية الحسابات مع الرجل القوي زيدان ولد احميد الذي يمتلك حضورا شعبيا وطموحا سياسيا ،وهو ما جعل المجلس العسكري ينظر إليه باعتباره رقما صعبا في أي معادلة سياسية قادمة. ومن هنا بدأت حملة الاستهداف التي حاولت تلطيخ صورته وضرب مستقبله السياسي.
لقد أُلقي بالرجل في السجن تحت تهمة الرشوة من طرف شركة وود سايد Woodside ، في مشهد مثير، لكن الأكثر إثارة للاستغراب أن الرجل خرج بعد أشهر قليلة دون محاكمة! ودون إدانة! ودون حتى مسار قضائي واضحّ ! ليتبين بجلاء زورَ تلك الاتهامات، وهو ما أثبت للرأي العام أن المجلس العسكري فشل في تقديم أي دليل ضعيف قبل قوي ، يدين الرجل ، وأصبح واضحاً للجميع، داخل موريتانيا وخارجها، أن القضية لم تكن سوى تصفية حسابات سياسية استهدفت تشويه صورة رجلٍ يملك الكفاءة والطموح والحضور الشعبي والدولي.
ومع ذلك، لم يسقط الرجل، فبدا مؤمنا بأن الحقيقة قد تتأخر لكنها لا تموت.
فرغم كل الضغوط، واصل زيدان ولد احميده معركته بصبر وإصرار، إلى أن انتهى الملف بإثبات براءته دوليا، في انتصار كشف زيف الرواية السياسية التي حاولت تشويهه.
وفي شهادته الأخيرة في وسائل الإعلام ، كشف محامي الرجل ، الأستاذ أحمد سالم ولد بوحبيني ، معطيات مثيرة تتعلق بالقضية، حيث قال إن شركة وود سايدWoodside دفعت مبلغ 100 مليون دولار للمجلس العسكري أنذاك! ،ووفق الرواية ذاتها، فإن تسلم المجلس العسكري للمبلغ في دبي ، تبعه مباشرة الإفراج عن الرجل، ما فتح الباب أمام تساؤلات سياسية واسعة حول طبيعة الصفقة الحقيقية ومن المستفيد منها.
إن قصة زيدان ولد احميده ليست مجرد قصة رجل تعرض للظلم فحسب، بل هي صورة أوسع لمعاناة الكفاءات الوطنية عندما تصبح السياسة أداة إقصاء بدل أن تكون فضاء للتنافس الشريف.
وفي النهاية، يبقى السؤال الكبير مطروحا:
إلى متى ستظل الكفاءات الوطنية تدفع ثمن نجاحها فقط لأنها أكبر من حسابات المرحلة؟
التار ولد المان

