
في صمت البادية " بوفكيرين " حيث كان يقضي جل وقته بعد أن تقاعد من شؤون الدنيا، عاش والدنا -رحمه الله- حياةً لا توزن بالسنين بل بالآيات التي تُتلى، فكانت تلك السنوات الثلاث والثلاثون بعد التقاعد هي عمره الحقيقي، وحياته التي عاشها، وما قبلها إلا تمهيدٌ لهذا الوصال وترجيحٌ لهذا الاختيار، ترك الدنيا قبل أن تتركه حين جعل القرآن نبضَه الوحيد، فلم تكن له دنيا سوى ما بين دفتَي المصحف، ولا حياةً إلا في ظلِّ آياته، فكان برنامجه اليومي عجيباً محكماً: يقرأ عشرة أحزابٍ -خمسة أجزاءٍ- ثلاث مراتٍ في يومه وليله؛ الأولى بتلاوة المصحف، فيلمس جسده المصحفَ وتراه عيناه وتُشرف عليه روحه، والثانية بالترتيل، فيلفظه لسانه وتعيْه أذناه، والثالثة بقيام الليل، فيقيم بها صلاته كلها في خشوعٍ يليق بمناجاة العليّ القدير، فكان كل ستة أيام يُحْتِمُ القرآنَ ثلاث مراتٍ، وفي الشهر خمس عشرة ختمةً - خمسٌ بتلاوة المصحف، وخمسٌ بالترتيل، وخمسٌ بقيام الليل - وفي العام مئةٌ وثمانون ختمةً، وهكذا مضت عليه ثلاثةٌ وثلاثون عاماً لا يُخِلُّ بها سفرٌ ولا مرضٌ، ولا يَشغَلُه عنها شاغل، وكان له مع كتاب ربّه سرٌّ آخر لا يعلمه إلا من ذاق حلاوةَ الإيمان وبردَ اليقين، كان إذا غلبه النومُ لم يفارقه القرآنُ في منامه، بل كان يحلم بتلاوته، وربما استفاق فزعاً لكلمةٍ مرّت به في قراءته قبل النوم قد نسيَ ما بعدها، فلا يملك إلا النهوضَ مسرعاً إلى المصحف يقرأ تلك الكلمة وما يليها حتى يستقرَّ في قلبه، ثم يعود إلى فراشه كأنما زار حبيباً فاطمأنّ، هكذا كان حتى في نومه ويقظته لا يفصل بينه وبين كلام ربّه حجاب، في السيارة والطائرة وعلى سرير المستشفى الأبيض كان المصحفُ رفيقه لا يفارقه، وكان لسانه قد اعتاد فصاحةَ الوحي فلم يعد ينطق بغيرها، وكأن حروفَ التنزيل قد صارت مجرى دمه ونبضَ شرايينه، كان القرآنُ ربيعَ قلبه ونورَ بصره وجلاءَ حزنه وأنسَ وحشته، لا يطلب علواً في الأرض ولا شهرةً بين الناس، بل كان همه أن يختم ثم يختم، كأن روحه لا تروى إلا بآية، ولا تستقر إلا بسورة، وكأن جسده كلّه قد صار حروفاً تتلو بعضها بعضاً في خشوعٍ لا يعرفه إلا من عشق كلامَ من خلقه، وأعظمُ من ذلك وأبشرُ به في لحظاته الأخيرة، في تلك الساعة التي تتعطل فيها الألسن وتُذهل فيها العقول، لم ينطق والدنا -رحمه الله- بغير كلام الله، كان آخر ما تلفّظ به لسانه وآخر ما وعى قلبه وهو يُسلم الروح: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا"، ثم سكت، وكأنه استكمل الآية في قلبه قبل أن يلقى ربه: "تتنزّل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنّة التي كنتم توعدون"، يا له من ختامٍ يليق بعُمرٍ قضاه في محراب التنزيل، لقد عاش الاستقامة طوال تلك السنون، فجاءه الوعد الإلهيّ في أنفاسه الأخيرة، لم يمت بل انتقل من ربيع القرآن في الدنيا إلى جنّةٍ عرضُها السمواتُ والأرضُ التي بُشّر بها،
فكان القرآنُ نومَه ويقظتَه، فكانتِ الجنةُ لقاءَه، ولكم أيها المواسونَ الأوفياء، ويا من وقفتم معنا في هذه المحنة، ويا من دعوتم له بالرحمة والمغفرة، ويا من شاركتمونا لحظةَ ألمٍ أو كلمةَ عزاءٍ، لكم منا كلُّ الشكر والدعاء بأن يجزيكم الله خيراً ويُثبت أجركم ويُديم محبتكم، وهذه هي بشارتكم بأن الذي رحل عنا لم يرحل عن ربه، بل ترك لنا إرثاً لا يُقدّر بثمن: أنه كان ربيعَ قلبه هو القرآن، فجعله الله ربيعاً لقلوبنا جميعاً، اللهم اغفر له وارحمه وأسكنه الفردوس الأعلى، واجعل ما كان فيه من حبٍ لكتابك شفيعاً له يوم يلقاك، واجعلنا اللهم ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
جدو ولد خطري ولد جدو

