
هكذا كانت آخر فصول القصة،(٣)
من المهم قبل عرض هذا الجزء الثالث والأخير التأكيد أن فخامة الرئيس رفض منذ البداية تسييس ملف ترشحنا وكانت التعليمات صريحة وواضحة: "لا تسدوا الباب أمام أي موريتاني له الكفاءة والاستعداد لخدمة هذا المشروع" وبالتالي كان من طواقمنا الموالون ومنهم دون ذلك ومنهم المعارضون.
كما برز فاعلون في القطاع الخاص دعموا جهود الترشح.
عشية يوم الاقتراع التقيت رفقة المرشح بالفريق الإعلامي من ممثلي الصحافة الموريتانية الحرة ( كانت الحملة استدعت إلى أبيدجان 15 إعلاميا موريتانيا ولم تكن هناك أي وسيلة إعلام عمومي !! رغم حضور عشرات وسائل الإعلام من بلدان المرشحين ومن الإعلام الدولي)، كان هذا اللقاء في إقامة موريتانيا على مائدة سعادة السفير المحترم محمد عبد الله ولد خطره والذي كان له دور بارز في كل ما قمنا به في أبيدجان . كانت كلمتي مقتضبة: "غدا نتوجه إلى انتخابات وحين نتحدث عن انتخابات فلابد أن المشهد مفتوح على كل الاحتمالات بما فيها الأسوأ، المهم أننا قمنا بجهد كبير ورائع وأن كل الطاقات تمت تعبئتها وننتظر التوفيق من الله". كنتُ أحضِّر الجميع نفسيا للسيناريو الأسوأ وغير المتوقع.
صبيحة يوم الاقتراع باشر فخامة الرئيس دوامه الرسمي بالمكتب الرئاسي باكرا وتواصلت معه الساعة التاسعة لإبلاغه كتابيا أننا دخلنا القاعة وأن كل شيء يبدو جاهزا لبدء عملية الاقتراع فأجابني: "التوفيق والنجاح بإذن الله". لم يسمح أمن القاعة لأعضاء الوفود والسفراء بالدخول وتم السماح فقط للمحافظ والمحافظ المساعد عن كل بلد.
كانت غرفة عملياتنا في الشقة الخامسة من الطابق الثاني عشر لفندق ايفوار حيث كان هناك المرشح سيدي والرائع اتيري هوت وهو من أصل كاميروني جاب معنا عواصم إفريقيا ويشغل الآن منصب مدير ديوان الرئيس سيدي، كان هناك أيضا التوغولي ديديه آكويتيه والبنيني سيرج آكوي المدير العام لبنك التنمية لغرب إفريقيا وكان منزله في لومي قاعدة خلفية لنا خلال تنقلاتنا بين عواصم إفريقيا، والمستشار بالرئاسة احميده ولد اباه ومساعدين لي في وزارة الاقتصاد والمالية هما عيساتا لام ومامادو سي ولكن غرفة عملياتنا الفعالة كانت في انواكشوط بالمكتب الرئاسي كما ستقرؤون لاحقا. كنا قد قمنا سابقا بتحليل احصائي وديبلوماسي معمق لنتائج انتخابات آخر ثلاثة رؤساء للبنك : المغربي عمر قباج والرواندي كابيروكا والنيجيري آدسينا. كان يتم في غرفة عملياتنا تحليل النتائج بسرعة ومعرفة من صوت لنا ومن لم يصوت والتحرك ميدانيا في القاعة على ذلك الأساس. رغم أنني كمحافظ كنتُ مفوضا من طرف فخامة الرئيس بشكل مطلق في التواصل مع الوفود والتحرك داخل القاعة وتقدير الموقف وحرصت أن اطلب أولا بأول التوجيهات الرئاسية التي كانت تحدد بوصلة تحركاتنا. مهم هنا العودة لمشهد كاد يضعف حظوظنا قبل شهور حين اقترح البعض في أنواكشوط أن نركز حملتنا على الأعضاء الدوليين بدل التركيز على البلدان الإفريقية (لعدم ثبات مواقفها حسب هؤلاء)، استشار فخامة الرئيس كعادته كل المعنيين بالملف و اتخذ في النهاية القرار التالي: نركز على إفريقيا دون أن نهمل الأعضاء غير الإقليميين. وحسنا فعل فخامة الرئيس لأن غير الإقليميين يسعون دائما إلى الاصطفاف خلف من تمكن من حشد أكبر دعم قاري فهم لا يرغبون في الظهور مظهر من يفرض على إفريقيا خيارا معينا في إدارة البنك الإفريقي.
يفكر الموريتانيون دائما حين يسمعون كلمة "صفقة" في البعد المالي والحقيقة أن الحملات الدولية تشهد دائما عقد صفقات من قبيل : نصوت لكم في البنك وتصوتون لنا في منظمة كذا أو نصوت لكم مقابل تعيين أحد أطرنا نائباً لرئيس البنك أو في وظيفة أخرى سامية بالبنك. وعلى ذكر الصفقات فقد تحرك معالي وزير الخارجية أخي محمد سالم ولد مرزوگ بفعالية يومين قبل التصويت وقد أبرق من بغداد حيث كان يمثل فخامة الرئيس في قمة بغداد العربية بمقترح صفقة مع بلد مهم سيصوت لنا مقابل تعيين أحد أطرهم نائبا لرئيس البنك. درست مع سيدي المقترح وكان رأينا أن الصفقة مهمة وانتظرت حتى إجازتها من فخامة الرئيس لأخبر معالي وزير الخارجية باعتمادها وبالتالي قام بإخبار نظيره في البلد المعني. عقدنا صفقة ثانية واعتذرنا عن ثالثة لتواضع العائد الانتخابي المنتظر. هذه الصفقات غير مكتوبة ولكنها ملزمة للبلدان فكلمة البلد والتزامه هي مسائل سيادية ينبغي احترامها أيا كانت السياقات.
بدأت عملية الاقتراع حدود العاشرة صباحا واستلم كل محافظ بطاقة عليها النسبة المائوية لحقوق التصويت للبلد المعني. بعد نصف ساعة اكتملت عملية التصويت بالنسبة للشوط الأول وبعد نصف ساعة أعلنت نتائج هذا الشوط. هاتفتُ فخامة الرئيس وكان علي أن أشرح وجهة نظري وتحليلي للنتائج: لم نتصدر المشهد العام ولكننا وبفارق مريح عن أقرب منافس وهو الزامبي مايمبو (20%) تصدرنا التصويت الإفريقي، دارت المحادثة بسرعة وتم تحديد أولوية الأولويات وهي التحرك نحو الكتلة الغربية. كانت طائرة الرئيس الفرنسي لا تزال تتحرك على مدرج مطار سنغافوره حيث يحل في زيارة رسمية لذلك البلد الآسيوي بفارق توقيت ثمان ساعات عن أبيدجان وانواكشوط، تواصل فخامة الرئيس مع ماكرون والذي حرك المستشار ( ج، ر) رغم أن باريس في عطلة ذلك اليوم ( عطلة الصعود) وتم الاتفاق على آلية الدعم بالنسبة لوفود الكتلة الغربية، في القاعة وقبل أن يحصل عندي علم بهذا الاختراق بادرت البعثة الفرنسية بالتواصل معي قائلين: تم توجيهنا للتو من باريس بالتنسيق التام معكم فماذا تشيرون علينا؟، كنتُ قبل بدء عملية الاقتراع اتفقت مع المحافظ السعودي وكيل وزارة المالية الدكتور رياض بن محمد لخريف أن اترك له بطلب منه التحرك على مستوى البعثة الأمريكية ولكن بعد صدور نتيجة الشوط الأول طلب مني وزير مالية نيجيريا الصديق ادين والي (غادر التشكيل الحكومي في بلده قبل شهرين) ووزير مالية بنين الصديق روميالد واداجني ( تم تنصيبه رئيسا للجمهورية في بلده الأسبوع الماضي) أن أسمح لهما بالتحرك نحو الأمريكان، قلت لهما إن الأشقاء السعوديين طلبوا حصرية التحرك ولكني سأرى ما يمكن فعله. تواصلت مع الأخ رياض لخريف وقلتُ له إني محرج من رد صديقين مهمين عرضا المساعدة فقبل مشكورا وناديت عليهما في جلسة رباعية سريعة.
كانت الصداقة الشخصية لفخامة رئيس الجمهورية مع الرئيس ماكرون ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز قد أنتجت ديناميكية بدت تتضح بجلاء داخل القاعة على مستوى الكتلة الغربية.
توجهنا للشوط الثاني وكانت النتائج رائعة وقد استعدنا زمام المبادرة وحسمنا الصدارة وحافظنا على تقدمنا الإفريقي وعمقنا وجودنا على مستوى الأعضاء غير الإقليميين.
هاتفت فخامة الرئيس بالنتائج وبعروض تلقيناها في القاعة فوجه باتخاذ القرار ميدانيا وفق التقدير الذي أراه مناسبا. تواصل معي محافظ كندا ومحافظ اليابان وأعلنا أنهما سيصوتان لنا في الشوط الثالث وقدما لي التهنئة بحسم بلادنا للتصويت الإفريقي. أخبرت فخامة الرئيس بهذا الموقف وباعتذارنا عن صفقة مقترحة من بلد لم نلمس فيها عائدا انتخابيا يذكر.
توجهنا إلى الشوط الثالث في حدود منتصف النهار والنصف وبعد حوالي أربعين دقيقة ظهرت النتائج، لقد قلبنا الطاولة على الجميع: لأول مرة تحسم انتخابات البنك الإفريقي في ثلاثة أشواط وبنسبة 76%. سجدت شكرا لله وأبرقت إلى فخامة الرئيس برسالة نصية كتبت فيها: [ الحمد لله الكريم المنان واسع الفضل والإحسان، صاحب الفخامة بتوفيق من الله تصنعون في هذه اللحظات تاريخاً مشرفا لموريتانيا. موريتانيا فازت بتوفيق من الله وبقيادة مبهرة من فخامتكم، لن يكون هناك شوط رابع. موقعة أبيدجان كانت ملهمة]
أخبرَنا الرئيس الإيفواري خلال استقبال خصني به مع الرئيس المنتخب سيدي عصر نفس اليوم أنه تحدث مع فخامة الرئيس هاتفيا ستة مرات في ذلك اليوم ما يعكس جهدا ديبلوماسيا مكثفا.
كل البلدان العربية الأعضاء في البنك وعددها عشرة صوتت لنا باستثناء القمر التي سبق وأخذت التزاما للسينغال قبل تواصلنا معها. الاختراق في مناطق إفريقيا ( الغرب والوسط والشرق) كان غير مسبوق وقد استفادت بلادنا كثيرا من زخم رئاسة فخامة الرئيس للاتحاد الإفريقي عاما قبل الانتخابات.
تونس كانت أول بلد يزكي ترشيحنا كما أن كل بلدان المغرب العربي صوتت لمرشحنا.
هذا ما تسمح بنشره الرقابية الذاتية لحد الآن وإذا كتب الله في العمر بقية واستفدت من حقي في التقاعد بعد سنوات سأعود في سياق آخر لكل التفاصيل.
الخلاصة أن هذا الإنجاز ما كان ليتحقق لولا عناية الله وتوفيقه ثم توفر عناصر أربعة محددة للنجاح: قائد في شخص فخامة الرئيس وخطة وفريق ومرشح مثالي سهل التسويق.
أتمنى للأخ معالي الوزير إسماعيل ولد الشيخ أحمد وللأخت معالي الوزيرة كمبه با النجاح في السباقين الحاليين على مستوى منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الفرانكوفونية واعرف أن ترشيحهما ما كان ليحصل لولا اقتناع فخامة الرئيس بوجود حظوظ جدية.
في المرفقات: التصريح الذي أدليت به خارج قاعة التصويت والنتيجة النهائية للانتخابات. انتهى.

