موقع: موريتانيا تسعى إلى لعب دور أفريقي أكبر من خلال الدبلوماسية والاستثمار

سبت, 30/05/2026 - 10:15

Middle-east - تعمل موريتانيا بشكل متزايد على ترسيخ مكانتها كواحدة من الفاعلين الدبلوماسيين والاقتصاديين الناشئين في أفريقيا، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي واستقرارها السياسي وبرنامجها التنموي الطموح لتعزيز نفوذها في جميع أنحاء القارة في وقت يتزايد فيه عدم الاستقرار الإقليمي والمنافسة العالمية على الموارد الأفريقية.

 

وقد تجلى هذا النهج بشكل كامل خلال الاجتماعات السنوية لمجموعة بنك التنمية الأفريقي في برازافيل، حيث قدم المسؤولون الموريتانيون بلادهم باعتبارها محركاً للتكامل الأفريقي ومركزاً مستقبلياً للطاقة والاستثمار يربط شمال وغرب وجنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا.

 

وفي كلمته أمام الدورة الحادية والستين لمجلس محافظي بنك التنمية الأفريقي والدورة الثانية والخمسين لصندوق التنمية الأفريقي، قال وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية الموريتاني عبد الله ولد الشيخ سيديا إن البلاد لا تزال ملتزمة التزاماً راسخاً بتعزيز التكامل القاري والتحول الاقتصادي والتنمية المستدامة في ظل قيادة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

 

أتاحت الاجتماعات لنواكشوط فرصة ليس فقط للسعي للحصول على تمويل تنموي، ولكن أيضاً لتعزيز مكانة موريتانيا السياسية المتنامية داخل المؤسسات الأفريقية بعد فترة غزواني كرئيس للاتحاد الأفريقي في عام 2024.

 

يؤكد المسؤولون الموريتانيون أن البلاد أصبحت بشكل متزايد فاعلاً رئيسياً في تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل، وهي منطقة تعاني من العنف الجهادي والاضطرابات السياسية والهشاشة الاقتصادية.

 

وعلى عكس العديد من الدول المجاورة التي شهدت انقلابات أو تفاقماً في انعدام الأمن في السنوات الأخيرة، تمكنت موريتانيا من الحفاظ على استقرار سياسي نسبي مع تعميق العلاقات مع الشركاء الأفارقة والعرب على حد سواء.

 

وقد عزز هذا الموقع جاذبيتها كجسر استراتيجي بين العالم العربي وأفريقيا، كما عزز ثقلها الدبلوماسي في الشؤون القارية.

 

في بيان صدر بمناسبة يوم أفريقيا، أكدت وزارة الخارجية الموريتانية مجدداً التزام البلاد بمبادئ الوحدة الأفريقية والتضامن واحترام السيادة، مع تسليط الضوء على الدور الذي لعبه الغزواني خلال فترة قيادة موريتانيا للاتحاد الأفريقي.

 

وقالت الوزارة إن موريتانيا عملت على توحيد المواقف الأفريقية بشأن الأزمات الإقليمية، ودعم جهود السلام والاستقرار، وضخ زخم جديد في مشاريع التكامل القاري ومبادرات التنمية.

 

كما أيدت موريتانيا بقوة إطار عمل الاتحاد الأفريقي لعام 2063، واصفة إياه بأنه خارطة طريق لبناء "أفريقيا التي نريدها" من خلال التكامل الاقتصادي والتنمية المستدامة والمؤسسات الأفريقية الأقوى.

 

وشدد المسؤولون كذلك على أهمية الأمن المائي والصرف الصحي، وهو الموضوع ذو الأولوية للاتحاد الأفريقي لعام 2026، محذرين من أن الحصول على المياه أصبح أمراً أساسياً للمرونة الاقتصادية والصحة العامة والاستقرار الاجتماعي في جميع أنحاء القارة.

 

وبعيداً عن الدبلوماسية، تسعى موريتانيا بشكل متزايد إلى تسويق نفسها كوجهة استثمارية وقوة طاقة مستقبلية.

 

وفي اجتماعات برازافيل، سلط المسؤولون الموريتانيون الضوء على الإصلاحات الاقتصادية الرئيسية المصممة لتحديث النظام المالي وجذب الاستثمارات الدولية، بما في ذلك إنشاء بورصة نواكشوط، وهيئة جديدة للأسواق المالية، وإصلاحات للوائح المشتريات العامة.

 

كما عرضت الحكومة مشاريع البنية التحتية الجارية وخطط توسيع إنتاج الطاقة المتجددة وتطوير الهيدروجين الأخضر وصادرات الغاز الطبيعي.

 

تعتبر موريتانيا واحدة من أكثر الدول الأفريقية الواعدة في إنتاج الهيدروجين الأخضر في المستقبل بفضل مواردها الهائلة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، في حين أن اكتشافات الغاز البحرية المشتركة مع السنغال المجاورة قد رفعت بشكل كبير التوقعات بشأن الإمكانات الاقتصادية المستقبلية للبلاد.

 

ويقول المسؤولون إن هذه المشاريع يمكن أن تحول موريتانيا إلى مركز إقليمي للطاقة والخدمات اللوجستية يربط بين الأسواق الأفريقية والأوروبية والخليجية.

 

على هامش اجتماعات بنك التنمية الأفريقي، أجرى سيديا محادثات مع رئيس بنك التنمية الأفريقي سيدي ولد طه لمناقشة توسيع التعاون المالي وتسريع مشاريع التنمية في موريتانيا.

 

تبلغ قيمة البرامج الممولة حاليًا من قبل بنك التنمية الأفريقي في البلاد حوالي 646 مليون دولار أمريكي، وتغطي قطاعات تشمل البنية التحتية والطاقة والمياه والحوكمة ودعم القطاع الخاص.

 

كما سعى المسؤولون الموريتانيون إلى تعزيز آليات التمويل لدعم الشركات المحلية وخلق فرص العمل، لا سيما في ظل مواجهة الاقتصادات الأفريقية لضغوط متزايدة من التضخم وأعباء الديون وتباطؤ النمو العالمي.

 

يقول المحللون إن استراتيجية موريتانيا تعكس محاولة أوسع نطاقاً للجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية والمكانة الجيوسياسية.

 

مع تفاقم عدم الاستقرار في أجزاء كبيرة من منطقة الساحل، تقدم موريتانيا نفسها بشكل متزايد كشريك إقليمي موثوق به قادر على تحقيق التوازن بين التعاون الأمني والإصلاح الاقتصادي والمشاركة الدبلوماسية.

 

وقد عززت العلاقات المتنامية للبلاد مع دول الخليج وأوروبا والمؤسسات المالية الأفريقية من قدرتها على المناورة على الساحة الدولية.

 

لكن لا تزال هناك تحديات كبيرة.

 

على الرغم من خطط الإصلاح الطموحة، لا تزال موريتانيا تواجه نقاط ضعف اقتصادية هيكلية، ومعدلات بطالة مرتفعة، وفجوات تنموية كبيرة، لا سيما في المناطق الريفية المعرضة للصدمات المناخية وانعدام الأمن الغذائي.

 

كما يتعين على البلاد أن تتعامل مع بيئة جيوسياسية سريعة التغير تتشكل بفعل المنافسة المتزايدة بين القوى الدولية من أجل النفوذ في أفريقيا، إلى جانب عدم الاستقرار المستمر في منطقة الساحل.

 

ومع ذلك، يبدو أن المسؤولين الموريتانيين مقتنعون بأن التكامل الأفريقي الأعمق والتعاون الإقليمي الأقوى يمثلان أفضل مسار للمضي قدماً.

 

بالنسبة لنواكشوط، كانت الرسالة المنبثقة من برازافيل واضحة: لم تعد موريتانيا ترى نفسها كفاعل هامشي على حافة القارة، بل كدولة تسعى إلى لعب دور محوري في تشكيل المستقبل الاقتصادي والسياسي لأفريقيا.

 

 

تصفح أيضا...