
أعاد البودكاست الأخير الذي تحدث فيه النقيب أحمد سالم ولد بوحبيني عن قضية الوزير السابق زيدان ولد حميده إحياء واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في مرحلة الانتقال السياسي التي أعقبت انقلاب الثالث من أغسطس 2005.
ولأنني كنت شاهداً على تلك المرحلة، وعضواً في الحكومة التي أُطيح بها، فقد وجدت نفسي مدفوعاً للعودة إلى هذا الملف، ليس بدافع تصفية الحسابات مع الماضي، وإنما حرصاً على أن تبقى الذاكرة الوطنية مفتوحة على تعدد الروايات، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقضايا صنعت الرأي العام وأثرت في صورة الدولة وفي مصائر رجالها.
لقد هزت هذه القضية الرأي العام الوطني يومها، ليس فقط بسبب خطورة الاتهامات الموجهة، وإنما أيضاً بسبب الزخم الإعلامي والسياسي الذي أحاط بها، في ظرف كانت فيه السلطات الجديدة تبحث عن تثبيت شرعيتها داخلياً وخارجياً.
ولم يكن زيدان ولد حميده وزيراً عادياً. فقد كان وزيراً للبترول والمعادن في نظام الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، ومن الشخصيات التي حظيت بثقة خاصة لدى رئيس الدولة. وما زلت أذكر، بحكم الزمالة في الحكومة آنذاك، ذلك الحماس اللافت الذي كان يتحدث به عن العقد المبرم مع شركة «وودسايد» الأسترالية، وعن الآفاق الواعدة التي كان يراها مفتوحة أمام موريتانيا بفضل تلك الشراكة.
في تلك المرحلة، كانت موريتانيا تعيش على وقع حلم الدخول إلى نادي الدول المنتجة للنفط، وكانت الآمال كبيرة في أن يشكل ذلك منعطفاً اقتصادياً حقيقياً، قادراً على تغيير أوضاع البلاد المالية والتنموية وحتى موقعها الجيوسياسي في المنطقة.
ثم جاء انقلاب الثالث من أغسطس 2005.
وفي مناخ القطيعة السياسية الذي أعقب ذلك، تحول ملف النفط بسرعة إلى ساحة مواجهة سياسية ورمزية. فتم توقيف الوزير السابق ومتابعته وسجنه، وجرى تقديم ملف «وودسايد» للرأي العام باعتباره عنواناً كبيراً لمحاربة الفساد، حتى أصبح أحد أكثر الملفات تداولاً في سنوات المرحلة الانتقالية.
غير أن الوقائع التي ظهرت لاحقاً تستحق بدورها أن تُستحضر.
فالوثائق المتداولة اليوم تبين أن المعني نفسه بادر إلى مراسلة جهات دولية وطلب فتح تحقيق مستقل من قبل السلطات الأسترالية. وقد باشرت الشرطة الفيدرالية الأسترالية
التحقيق في القضية، قبل أن تنتهي ـ وفق المراسلات الرسمية الصادرة عن السلطات الأسترالية ـ إلى عدم العثور على أي دليل يثبت وجود فساد أو ممارسات غير قانونية تورط فيها الوزير الموريتاني السابق أو الشركة الأسترالية المعنية.
لكن هذه الخلاصات، بخلاف الاتهامات الأولى، لم تحظ بنفس الانتشار الإعلامي ولا بنفس الحضور في الذاكرة الجماعية.
ولست هنا بصدد إعادة كتابة التاريخ أو توزيع صكوك البراءة والإدانة، لكن من الصعب، بعد مرور كل هذه السنوات، ألا نتساءل عن الطريقة التي تم بها توظيف بعض الملفات في خضم مرحلة انتقالية استثنائية كانت تبحث عن شرعية سياسية وأخلاقية.
كما يصعب تجاهل أن انقلاب 2005 قد أوقف، أو على الأقل أربك، ديناميكية اقتصادية وطاقوية كان كثيرون يرون فيها فرصة واعدة لموريتانيا. فقد دخل المشروع النفطي، الذي كان يحمله بحماس مسؤولو القطاع آنذاك، في دوامة من الشك وعدم اليقين السياسي والمؤسسي.
وهكذا تبقى قضية زيدان ولد حميده واحدة من أكثر القضايا تعبيراً عن تناقضات تلك المرحلة: مرحلة حملت بالفعل بعض المكاسب الديمقراطية، لكنها شهدت أيضاً صراعات تصفية حسابات، ومحاكمات ذات طابع سياسي ـ حقيقي أو مفترض ـ واستعمالاً مكثفاً لشعار محاربة الفساد في معركة البحث عن الشرعية.
وبعد نحو عشرين عاماً، ربما أصبح بالإمكان النظر إلى تلك المرحلة بقدر أكبر من الهدوء والإنصاف، لا من أجل محو الخلافات، بل من أجل إعادة الوقائع إلى تعقيدها الطبيعي، ومنح كل طرف نصيبه من الحقيقة.
عبد القادر ولد.محمد

