
قبل سنة من الآن نُشر لي مقال علمي مطوّل في إحدى المجلات الدولية المحكّمة، تناولت فيه الأطر القانونية المنظّمة للإعلام والاتصال والتواصل في بلادنا، من زاوية إعلامية وتواصلية لا قانونية، بحكم التخصص، إلا أنني الآن أجدني مضطرًّا لإسقاط بعض أفكار ذلك المقال على حالتنا الراهنة، بما تشهده من انفلات ولغط وهرَج ومرَج في فضاءاتنا الإلكترونية والتواصلية، قد يصل بنا إلى ما لا تُحمد عقباه.
إن ظهور الطفرة الإلكترونية ومنصات شبكات التواصل الاجتماعي؛ دفع بلادنا لسَنّ مجموعة من الأطر التنظيمية لهذا المجال، هي: القانون التوجيهي لمجتمع المعلومات رقم 006 – 2016، وقانون الجريمة السيبرانية رقم 007 – 2016، وقانون مكافحة التلاعب بالمعلومات رقم 015 – 2020، وقانون حماية الرموز رقم 021 – 2021، فكان لوضع هذه الأطر أثر جَليٌّ على المجال، رغم تباين تقييم مستويات ذلك الأثر، من طرف الفاعلين والمواطنين، من جهة، وحسب ما يختص به كل قانون منها من جهة أخرى.
لقد لاقى القانونان الأولان ترحيبا خاصا، نظرا لكونهما أُصدِرَا لتنظيم مجال الاتصال والتواصل الإلكتروني وما يدور في فلكهما، حيث وَضع القانون التوجيهي لمجتمع المعلومات الأسس التنظيمية للمجال الإلكتروني في البلد، ما مكّن من معرفة مُحدِّداته؛ بوصفه حقْلا متميزًا عن غيره من المجالات المشابهة، نظرا لكونه جديدا على الساحة الوطنية والدولية حينها، كما أطّرَ قانون الجريمة السيبرانية حدود المعاملات عبر الوسائل الإلكترونية، وما يرتبط بها من مواقع ومنصات خدمية أو تواصلية، محدّدا الجنايات والجنح المرتبطة باستخدام هذه الوسائل.
أما القانونان الآخيران فقد أثارا جدلا واسعا، رغم تباينهما في ذلك، حيث جاء قانون مكافحة التلاعب بالمعلومات لسدّ فجوة الانفلات المعلوماتي الذي يحدث في البلاد، خاصة في فترات الانتخابات والأزمات، فاعتبر البعض سَنَّه تقييدا للحريات العامة، ومخالفة للدستور الموريتاني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بل وحتى للقوانين التي سُنَّت قبله دون أن يلغيها، إلا أن آخرين اعتبروه ضروريا لتنظيم نشر المعلومات وتداولها، في عصر الرقمنة وشبكات التواصل الاجتماعي.
فيما كان قانون حماية الرموز الوطنية وتجريم المساس بهيبة الدولة وشرف المواطن، أكثر القوانين جدلا، فرغم كونه سُنَّ لتجريم المساس بهيبة دولتنا ورموزها، وأمنها الوطني، وسِلْمِها الأهلي، ولُحْمَتها الاجتماعية، والحياة الشخصية لمواطنيها وشرفهم؛ إلا أن بعض المواطنين، خاصة من المعارضة، يشنون عليه حملات مضادة، ويطالبون بإلغائه، حيث يركّزون على ما يتعلق منه بحماية شاغلي المناصب العليا في البلد من الإساءة، وفي طليعتهم رئيس الجمهورية، عكس ما يراه مواطنون آخرون، إذ يعتبرونه ضروريا، للإسهام في تأطير نشاط روّاد المحتوى الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، وضبط جموحهم، بعدما صار كثيرون منهم يركبون موجات الإساءات الشنيعة، مبالغين في النيل – دون أي وَازِع - من كل ما يتعلق برموز دولتنا، والتحريض على العنف والكراهية العنصرية ضد المكونات الاجتماعية لشعبنا، على تنوعها، والمساس بوحدة وطننا، وسب مواطنينا كأفراد، وتجريحهم وقذفهم، والولوغ في أعراضهم، والتعرض لحياتهم الشخصية دون وجه حق.
إن موجات الإساءات تلك منذرة بتهديد البلد، وإدخاله في دوامة من الفوضى وعدم الانسجام، وهو ما يستوجب من عقلائنا اليقظة والنَّفير، لتأطير فضاءاتنا العامة، وتثقيف المواطنين حول هذه القوانين، ليدركوا أهميتها في ضبط حدود حرياتهم التي تتوقف عند حدود الآخرين، وفي حمايتهم من أي مساس بحياتهم الشخصية، ولتنقية قاموسنا السياسي، وترسيخ قيمنا الأخلاقية الفاضلة، وتعزيز لُحمتنا الوطنية، لأن الحزم في تطبيق مثل هذه القوانين سيظل إجراءً لا مَفرّ منه، لإرساء العدالة الشاملة، والتّصدّي لجائحة الإساءات هذه، وما ينجر عنها من ممارسات مُستهجنة، قد تودي ببلدنا – لا قدّر الله – لمثل ما نشاهده في بعض الدول القريبة، من انفلات أمني، وتكالب للطامعين والمخرّبين، فلننتقد بمسؤولية، ولنسلك الطرق المشروعة للمطالبة بالحقوق، ولنفتح قلوب بعضنا لبعض، في نقاشات وحوارات بنّاءة، على نيران هادئة، حتى نحقق معا طموحاتنا المرجوة في هذا الوطن العزيز، كما نأملها، وكما تخطط لها سلطاتنا برَويَّة وأناة.

