التعبير في منصات التواصل الاجتماعي الموريتانية.. بين الحُرية وتجاوز حدود الآخرين!‏ / جاكيتى الشيخ سك

خميس, 14/05/2026 - 20:50

قبل سنة من الآن نُشر لي مقال علمي مطوّل في إحدى المجلات الدولية المحكّمة، تناولت فيه الأطر ‏القانونية المنظّمة للإعلام والاتصال والتواصل في بلادنا، من زاوية إعلامية وتواصلية لا قانونية، بحكم ‏التخصص، إلا أنني الآن أجدني مضطرًّا لإسقاط بعض أفكار ذلك المقال على حالتنا الراهنة، بما تشهده ‏من انفلات ولغط وهرَج ومرَج في فضاءاتنا الإلكترونية والتواصلية، قد يصل بنا إلى ما لا تُحمد عقباه.‏

‏    إن ظهور الطفرة الإلكترونية ومنصات شبكات التواصل الاجتماعي؛ دفع بلادنا لسَنّ مجموعة من ‏الأطر التنظيمية لهذا المجال، هي: القانون التوجيهي ‏لمجتمع المعلومات رقم 006 – 2016، وقانون ‏الجريمة السيبرانية رقم 007 – 2016، وقانون مكافحة التلاعب بالمعلومات رقم 015 – 2020، وقانون ‏حماية ‏الرموز رقم 021 – 2021، فكان لوضع هذه الأطر أثر جَليٌّ على المجال، رغم تباين تقييم ‏مستويات ذلك الأثر، من طرف الفاعلين والمواطنين، من جهة، وحسب ما يختص به كل قانون منها من ‏جهة أخرى.‏

‏    لقد لاقى القانونان الأولان ترحيبا خاصا، نظرا لكونهما أُصدِرَا لتنظيم مجال الاتصال والتواصل ‏الإلكتروني وما يدور في فلكهما، حيث وَضع القانون التوجيهي لمجتمع المعلومات الأسس التنظيمية ‏للمجال الإلكتروني في البلد، ما مكّن من معرفة مُحدِّداته؛ بوصفه حقْلا متميزًا عن غيره من المجالات ‏المشابهة، نظرا لكونه جديدا على الساحة الوطنية والدولية حينها، كما أطّرَ ‏قانون الجريمة السيبرانية حدود ‏المعاملات عبر الوسائل الإلكترونية، وما يرتبط بها من مواقع ومنصات خدمية أو تواصلية، محدّدا ‏الجنايات والجنح المرتبطة باستخدام هذه الوسائل.‏

‏    أما القانونان الآخيران فقد أثارا جدلا واسعا، رغم تباينهما في ذلك، حيث جاء قانون مكافحة التلاعب ‏بالمعلومات لسدّ فجوة الانفلات المعلوماتي الذي يحدث في البلاد، خاصة في فترات الانتخابات والأزمات، ‏فاعتبر البعض سَنَّه تقييدا للحريات العامة، ومخالفة للدستور الموريتاني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ‏بل وحتى للقوانين التي سُنَّت قبله دون أن يلغيها، إلا أن آخرين اعتبروه ضروريا لتنظيم نشر المعلومات ‏وتداولها، في عصر الرقمنة وشبكات التواصل الاجتماعي.‏

‏    فيما كان قانون حماية الرموز الوطنية وتجريم المساس بهيبة الدولة وشرف المواطن، أكثر القوانين ‏جدلا، فرغم كونه سُنَّ لتجريم المساس بهيبة دولتنا ورموزها، وأمنها الوطني، وسِلْمِها الأهلي، ولُحْمَتها ‏الاجتماعية، والحياة الشخصية لمواطنيها وشرفهم؛ إلا أن بعض المواطنين، خاصة من المعارضة، يشنون ‏عليه حملات مضادة، ويطالبون بإلغائه، حيث يركّزون على ما يتعلق منه بحماية شاغلي المناصب العليا ‏في البلد من الإساءة، وفي طليعتهم رئيس الجمهورية، عكس ما يراه مواطنون آخرون، إذ يعتبرونه ‏ضروريا، للإسهام في تأطير نشاط روّاد المحتوى الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، وضبط ‏جموحهم، بعدما صار كثيرون منهم يركبون موجات الإساءات الشنيعة، مبالغين في النيل – دون أي وَازِع ‏‏- من كل ما يتعلق برموز دولتنا، والتحريض على العنف والكراهية العنصرية ضد المكونات الاجتماعية ‏لشعبنا، على تنوعها، والمساس بوحدة وطننا، وسب مواطنينا كأفراد، وتجريحهم وقذفهم، والولوغ في ‏أعراضهم، والتعرض لحياتهم الشخصية دون وجه حق.‏

‏    إن موجات الإساءات تلك منذرة بتهديد البلد، وإدخاله في دوامة من الفوضى وعدم الانسجام، وهو ما ‏يستوجب من عقلائنا اليقظة والنَّفير، لتأطير فضاءاتنا العامة، وتثقيف المواطنين حول هذه القوانين، ‏ليدركوا أهميتها في ضبط حدود حرياتهم التي تتوقف عند حدود الآخرين، وفي حمايتهم من أي مساس ‏بحياتهم الشخصية، ولتنقية قاموسنا السياسي، وترسيخ قيمنا الأخلاقية الفاضلة، وتعزيز لُحمتنا الوطنية، ‏لأن الحزم في تطبيق مثل هذه القوانين سيظل إجراءً لا مَفرّ منه، لإرساء العدالة الشاملة، والتّصدّي لجائحة ‏الإساءات هذه، وما ينجر عنها من ممارسات مُستهجنة، قد تودي ببلدنا – لا قدّر الله – لمثل ما نشاهده في ‏بعض الدول القريبة، من انفلات أمني، وتكالب للطامعين والمخرّبين، فلننتقد بمسؤولية، ولنسلك الطرق ‏المشروعة للمطالبة بالحقوق، ولنفتح قلوب بعضنا لبعض، في نقاشات وحوارات بنّاءة، على نيران هادئة، ‏حتى نحقق معا طموحاتنا المرجوة في هذا الوطن العزيز، كما نأملها، وكما تخطط لها سلطاتنا برَويَّة ‏وأناة.‏

تصفح أيضا...