هل تكون تهدئة غزواني استثناء؟ / الهيبه الشيخ سيداتي " رأي"

أربعاء, 06/05/2026 - 08:23

 

يقول تاريخ الحكم في هذه البلاد إن أي رئيس يصل لسدة الحكم يبدأ أول خطواته السياسية بالتهدئة مع معارضة من سبقه. أفرج ولد الطايع عن السجناء، وعفا اعلي رحمه الله عن فرسان التغيير  والإسلاميين وأفرج عنهم، وتفاوض سيدي رحمه الله مع المعارضة فأشرك التحالف الشعبي التقدمي في السلطة ورخص لتواصل وأشركه في الحكومة هو واتحاد قوى التقدم. 
ولما وصل ولد عبد العزيز للحكم تحالف مع معارضة سيدي، فأشرك التكتل وحاتم في أول حكومة له بعد الانقلاب. 

وهكذا سار ولد الغزواني على نفس المنوال واعتمد التشاور والانفتاح نهجا للحكم، فدعا جميع قادة المعارضة للقصر، وتحدث إليهم دون استثناء، وتبادل معهم أرقام الهواتف وظل على اتصال بأغلبهم مباشرة أو بصفة غير مباشرة، ولبى عددا من مطالبهم، ووضع حدا للمتابعات القضائية ضد ولد بوعماتو وولد الشافعي، ولم يستثن من هذا أي حزب أو قيادي معارض، حتى احتوى أغلب الفعل المعارض وحول قادة الأقلية المعارضة التي استعصت على جميع من سبقوه إلى داعمين له أو على الأقل متفهمين لسياساته، وحتى أكثر المعارضين راديكالية عادة صرح أنه "اجبر صاحبه".

وقد استحدث لهذا الغرض أسلوبا لم يسبق إليه،  استخدمه مرتين وكان له تأثير بالغ. فإبان جائحة كوفيد وعشية اتخاذ إجراءات للتعامل مع تحديات إغلاق مضيق هرمز نجح في إشعار المعارضة بأنها شريك في القرار الوطني، يتشاور معه الرئيس بشكل مباشر ويشركه في الرأي المتعلق بالتحديات التي تواجهها البلاد من خلال اجتماعات مع قادة الطيف السياسي لم تستثن حزب مواليد ولا معارضا.  

 

البدايات الهادئة ليست جديدة على تعامل الأنظمة مع المعارضة، لكنها عادة لا تدوم طويلا. ونادرا ما تتأخر الخلافات والصدامات. ودون الخوض في الأسباب وخلفيات فشل التهدئات ومن يتحمل المسؤولية، الأنظمة أم المعارضة، يشهد الواقع أن كل الرؤساء السابقين واحهوا مشاكل مع بعض القوى المعارضة في مرحلة ما من مراحل الحكم، وإن اختلفت درجاتهم في ذلك من حيث اتساع دائرة الخلافات ومدى حدتها. 

 

رغم ذلك، يمكن القول إن تجربة غزواني أعطت أملا بأنها ربما تختلف عن تحارب سابقيه بهذا الخصوص، لأسباب منها امتداد التهدئة لفترة أطول، ومستوى انفتاحه على معارضيه، وتحول قادة المعارضة لصفه داعمين ناصحين للنظام. 

 

ما يدعو إلى القلق أن التطورات خلال الأسابيع الأخيرة تدعو إلى التوجس من مآلات هذا الاستثناء. فكلام البرلمانيتين الذي استحقتا به السجن أربع سنوات ليس أشنع ولا أخطر تأثيرا من كلامهما قبل وصول غزواني إلى السلطة وخلال مأموريته الأولى. فما الذي استجد حتى يترتب على هذا الكلام ما لم يكن النظام حتى الآن يرى ضرورة لأن يترتب عليه؟ وما ذا عن المحامي عبد الرحمن ولد زروق؟ هل ذهب في بثه الأخير أبعد مما كان يصل في بثوث سابقة؟ 

 

أعلم أن انشغال العالم بأزماته عن الاهتمام بقضايا الحريات، وضعف المعارضة وتشتتها، أمور تزيد عادة من ضيق الدوائر الأكثر تصلبا داخل الأنظمة بأي صوت مختلف وتغريها بمحاولة الإجهاز على ما تعتبره خصوما لها. 

 

من عوامل التوتر التي ينبغي أن يتداركها عقلاء النظام  اتخاذ السلطة التنفيذية إجراءات تحتمل التأويل باعتبارها تقييدا للحريات والحقوق المتعلقة بالتعبير والتظاهر، وإصدار القضاء أحكاما وقرارات اعتبرها كثيرون قاسية في حق سياسيين ومحامين، وتعثر الحوار وتعطله لأسباب تبدو شكلية وكان يفترض ألا تعطل طموحات التوافق. 

إن نجاح غزواني في وضع حد لعوامل التأزيم ومظاهر التوتر من شأنه أن يضفي أجواء من الهدوء تناسب نهاية مأموريته الأخيرة وتنسجم مع بداية عهده وتجعل من تجربته في الحكم استثناء يليق برجل يعتبر كثير من الموريتانيين أنه انتهج أسلوب التهدئة عن قناعة ولم يعتمدها كتكتيك سياسي.
 فهل سيحتفظ غزواني بنهجه المعهود في تسيير العلاقات مع مختلف الفرقاء، أم أن نزعات الصراع ودعوات التأزيم ستكون أعلى صوتا وأقوى تأثيرا وتنتصر كما انتصرت في أحكام من سبقوه فحولت نهايات أحكامهم لنهايات توتير مع كل أو جل الطيف المعارض .

تصفح أيضا...