افتتاحية لحزب الصواب عن الإنفاق العمومي قبيل خطاب الوزير الأول أمام البرلمان

أربعاء, 21/01/2026 - 12:36

افتتاحية لحزب الصواب عن الإنفاق العمومي قبيل خطاب الوزير الأول أمام البرلمان

 

قبيل تقديم الوزير الأول خطابه السنوي أمام البرلمان غدا يوم الخميس 22 يناير 2026، يطفو إلى السطح مجددًا سؤال جوهري حول فلسفة الإنفاق العمومي وحدود الترف في دولة نامية مثل موريتانيا. 

 

ويكتسب هذا السؤال دلالته الرمزية حين يُستحضر تعميمٌ تاريخي كتبه رئيس الجمهورية المؤسس المختار ولد داداه بتاريخ 26 مارس 1968، وجّه فيه توبيخًا صريحًا لبعض المسؤولين السامين بسبب قيامهم بتركيب أجهزة تكييف في منازلهم على نفقة الدولة.

في تلك الرسالة، شدد الرئيس المؤسس على أن مثل هذه الممارسات تُعد ترفًا لا طاقة لبلد حديث العهد بالاستقلال بتحمله، مؤكدًا رفضه الشخصي لتركيب أجهزة التكييف سواء في مكتبه أو منزله، لما تمثله من جنوح نحو البذخ وإغفال للحقائق الاجتماعية والاقتصادية الموريتانية. كان ذلك موقف جيل التأسيس الذي واجه مظاهر الترف وتبذير المال العام بلا هوادة، إدراكًا منه لخطورة انحراف الأولويات في دولة محدودة الموارد.

غير أن المفارقة المؤلمة اليوم تكمن في أن ما حذّر منه المؤسس قد أصبح، خلال العقود الثلاثة الماضية، جزءًا من تفكير وممارسة قطاعات واسعة من النخب الحاكمة. فمشاهد الترف في الإنفاق الحكومي باتت ماثلة للعيان: أساطيل من السيارات الفارهة، بالعشرات إن لم يكن بالمئات، تجوب شوارع نواكشوط وتحمل لوحات رسمية، ومكاتب فخمة تُغيّر أكثر من مرة في السنة، وبروتوكولات متضخمة للمسؤولين كبارًا ومتوسطين، فضلًا عن البذخ اليومي في الدعوات والندوات والملتقيات القطاعية.

هذه المظاهر ليست مجرد تفاصيل شكلية، بل لها آثار عميقة تتمثل في تآكل الموارد العمومية، وانحراف الأولويات نحو الكماليات، وتغذية الفساد، وتعميق الفجوة بين الطبقات. ويتجلى ذلك بوضوح في تدهور البنية التحتية، من طرق تُسلَّم وهي في حالة هشّة لا تصمد أكثر من أشهر، إلى مشاريع هيكلية مضى على موعد إنجازها سنوات دون أن تتجاوز نسبة التنفيذ 1%، وأخرى يُعاد الحديث عنها مرارًا دون أن ترى النور.

وفي مقابل هذا الترف، تعاني الخدمات الأساسية من إهمال مزمن، خاصة في مجالي الصحة والتعليم، سواء في المدن الكبرى أو في الأرياف وآدوابه ، حيث نقاط صحية شبه منعدمة، ومبانٍ مدرسية مهجورة تفتقر لأبسط المستلزمات. كما تبقى فئات واسعة من المواطنين خارج أي استفادة حقيقية من الطفرة المالية التي عرفتها البلاد مؤخرًا، في ظل مساطر قانونية وإدارية تُنتهك دون محاسبة.

إن استحضار رسالة المختار ولد داداه اليوم ليس حنينًا إلى الماضي، بل دعوة صريحة لإعادة الاعتبار لأخلاقيات الدولة، وترشيد الإنفاق، وربط المسؤولية بالقدوة، حمايةً للموارد، وإنصافًا للمواطن، وصونًا لمستقبل البلاد.

تصفح أيضا...