مقابلة الصحفي محمد محمود ولد بكار مع الأمل لجديد

ثلاثاء, 2016-10-25 20:47
الأمل : كيف تقيم مخرجات الحوار ؟
جواب :مخرجات الحوار بالنسبة لمن؟ للوطن: بمعني حل الأزمة السياسية؟ أم للمستقبل؟  أم للخريطة السياسية؟... على كل حال، الحوار أحدث ارتجاجا كبيرا في الساحة ستتغير معه حجم الكتل السياسية. لكنه أوضح مساوئ تجربتنا  من حيث أنها لا تخدم الاستقرار بسبب  تناقض الرؤى، وتعدد خطوط الانكسار، وتمايز التصور بالنسبة للحلول،  وبسبب غياب التراكم، ثم أن المواضيع التي تم طرقها لم تشتمل على انشغالات النخبة الوطنية، إلا أن كلمة ولد عبد العزيز طغت على مخرجات الحوار وكانت أهم منه، وكانت بدلا من مخرجات الحوار هي الحدث. ثم أن المحور الذي ظل مهما وتم تركيز الإعلام عليه، هو محور التعديلات الدستورية، لأن طبيعة المجتمع الموريتاني غير المتعلم واهتمامه الفضولي بالسياسة كان وراء الاهتمام الواسع بتلك الورشة على الحساب الباقي ثم إن مصير البلد السياسي ومستقبل والشخصيات التي ظلت تتربع على المشهد مرتبط بهذه الورشة . وبصفة عامة فقد تضمنت المخرجات الحديث عن أمور هامة اقتصادية وسياسية، وأمور غير مهمة على خلفية الأحداث العكسية التي قد تلازمها وأخص هنا  التعديلات الدستورية ، لكنها قد تـُفهم على أنها ثمن خروج ولد عبد العزيز من السلطة، أي أن يرتبط اسمه ببعض الإصلاحات أو التغييرات الجوهرية  في الجهة الثانية ، إضافة إلى المطار والقمة العربية وحوانيت أمل .... وهناك  من لا يريد الاعتراف بأهمية ما حدث وكأن الحوار كان من أجل أمور لم تحدث وبالتالي لابد من حدوث شيء آخر مهم يغطي على ذلك.
إلا أن تغيير الدستور عادة يتطلب أمرين : ـ إجماع الطبقة السياسية لكي لا يظل أحدهم يتمسك بالأصل . ـ وأن تكون هناك ضرورة بادية للعيان، وهذا لم يحدث. وأعتقد أن رئيس مـُودع يجب أن لا يهتم بالتغييرات التي قد تؤثر على استقرار البلد وانسجامه والدخول في تجاذبات إضافية ومتاهة علمين ونشيدين، بل أن المواضيع المطروحة للتعديلات لا تساوي المخاطرة  ببلبلة المنظومة القانونية للبلد.. ومع كل ذلك  شكلت كلمة عزيز قيمة مضافة لمخرجات الحوار وإن كانت من خارجها. كما قد قلل من أهمية المخرجات مرة أخرى ، انسحاب مسعود الذي جعل المعارضة التقليدية كلها خارج صيغة نتائج الحوار الوطني الشامل.
الأمل : ما هي وجهة نظركم في الجدل الدائر حول النشيد ، والعلم وحل مجلس الشيوخ؟
جواب : يبدو أن الجدل كبير حول هذه المواضيع، وذلك معقول جدا ولعدة أسباب: الأول أن الموضوع لم يطرح للنقاش قبل، ولم يتطرق له أي برنامج سياسي أو انتخابي، ولم تتضمنه أي رؤية. والسبب الثاني أنه مطروح في مناخ من التجاذب الواسع امتاز بقطيعة معارضة نشطة ترتبط لحد ما بالحقبة التي شهدت ميلاد هذه الظواهر كمرجعية أو مرحلة تأسيسية، مما أضاف نوعا من التعصب على أساس المشاعر في بعض جوانبه. والسبب الثالث أن المدافعين عن هذه الإصلاحات لا يملكون أكثر من التماهي في الأوامر، فلم يملكوا مقترحات أكثر إقناعيه ، وعلى كل حال فالمواضيع ليست سيان، فالبنسبة للنشيد هناك مغالطة بشأنه؛ فالنشيد الوطني نشيد صامت لم تولد معه كلمات، وهو معزوفة من تلحين موسيقار فرنسي من أصل روسي يدعى تاليا نيكروبروتسكي، وقد ساعده على طلب منه سيدات ولد آبه بنوتات من موسيقى البيظان. وكانت تغنى على هذه المعزوفة قطعتان : واحدة قطعة يسارية لا أتذكر صاحبها وتغنى في المذرذره والحوض وأطار، وهي : هذا آخر نومنا ــــ بلادنا لا تشتكي . والثانية قصيدة لبابه ولد الشيخ سيديا، وقد سيطرت أخيرا وهي : كن للإله ناصرا ـــوأنكر المناكرا  . وقد سبق وأن كانت هناك محاولتان لتغييره : فقد قام المختار بمسابقة لذلك الغرض سنة 1975 لكن المتسابقين كرسوا قطعهم  لمدح ولد داداه وحزب الشعب، ولم يشأ ذلك. أما المحاولة الثانية ففي زمن معاوية حيث استدعى كابر هاشم -على حد اعتقادي- وطلب منه كتابة نشيد ولم تتم المحاولة.  لم أعد أذكر السبب رغم أنه مر بي ذكره. أما فيما يخص تغيير العلم  كبادرة تذكارية لتضحيات أبطالنا في المقاومة فهو أمر في غاية الإنصاف، لكن تلك التضحيات عاشت مؤامرة واسعة، وبالتالي يجب إشراك وإقناع أصحاب ذلك التجاهل حتى ينضموا لذلك الإنسجام ، ويتم ذلك من خلال توسيع المعلومات المتعلقة بتلك الحقبة وتعليمها ونشرها حتى تفرض نفسها وتكون مطلبا واقعيا .وفيما يخص مجلس الشيوخ فحله نازلة سياسية والمبررات التي قدمت لحله لا تتمتع بالمصداقية الكافية  في هذا الظرف بالذات ، خاصة أن المقترح الملازم لتلك المبررات ، هو إنشاء مجالس جهوية بنفس التكاليف المادية تقريبا، لكن الأسوأ أننا نعيش القدر الكافي من عدم وضوح الصلاحيات بالنسبة للأجهزة الإدارية والبلديات، فبإضافة تعقيد جديد للوضعية سنخلق أزمة بدل حل مشكلة .
الأمل الجديد :إعلان الرئيس بعدم فتح سن المأمورية كيف تقرأه ؟
الجواب : ولد عبد العزيز تصرف من مبدأ عليَ وعلى أعدائي استهدفا لأحمد ولد داداه ولمسعود، وهذا غير منصف ، وفيه ظلم لهذين المعارضين مدى الحياة فيما يبدوا ، لكن المفارقة التي لا يعرفها عزيز أنه في أمان أكثر مع هؤلاء من أي أحد آخر. فهؤلاء يملكون بقايا قيم قديمة ولت في البلد . لقد رأى كم كان سيدي ولد الشيخ عبد الله حليما .وأنا أعتقد أن الاستمرار في إقصاء هذين الشيخين، مسعود وأحمد ، غير سياسي ولا يخدم التفاهم والهدوء، خاصة أننا أمام دولة إن لم نقل فاشلة ،جاز القول بأنها دولة مبعثرة، وقد غابت فيها بعض أسس الدولة: أسلوب الدولة الوطنية التي يخضع لها الجميع ، غياب الإدارة وضعفها ، عدم الأمان بالنسبة للأفراد وللجماعات أيضا، وتسيير المصالح المتعارضة بشكل لم يخدم الانسجام. لقد اختلط كل شيء في البلد ، وبالتالي المرحلة القادمة ليست مرحلة بناء ، بل إعادة وضع الأمور في نصابها أي في محلها الصحيح ، والتأسيس لتفاهم أوسع ومديد . يجب أن يتم التأسيس للشأن العام وذلك يتطلب حكمة ويتطلب مرجعية وكارزمية  وقبولا عند قطاع عريض من المجتمع ، هذه المأمورية القادمة يجب أن لا  يسيرها الشباب ، لكن يجب يكونوا  سلاحها. إنها مرحلة ستشهد تسيير عواقب مسار ظُلم فيه الكثيرون ،وشهد تجاوزات عديدة وعميقة ، لا يمكن التعامل معها بروح الانتقام ولا بالتغاضي الكامل ، بل بروح الحكمة والتجربة ، وهذا يؤكد مجددا أن قفل الباب أمام هؤلاء ظلم لهم وظلم للبلد . وعزيز هو أكثر من أغلق الباب في وجوههم 4 مرات في أقل من عشر سنوات. إن ربط مسألة السن بالمأمورية الثالثة ليس موضوعي ، ففتح السن  مطلب شرعي وموضوعي وليس له مخلفات ولا تأثير على البلد ، لكن بالعكس مطلب مأمورية ثالثة عمل غير قانوني ولا يخدم التناوب ولا الديمقراطية  ولا مبررله. 
الأمل الجديد : ما حدث انتصار للنظام أو للمعارضة برأيك ؟
الجواب : إذا لم يتم استغلال تصريح عزيز وفتح قناة جديدة لبناء ثقة يسعى فيها الأطراف، كل من جهته، بجدية  بناء الثقة فلم  ولن يكون النجاح من حظ أي أحد .وفي اعتقادي أن كل الجهود أثرت في ما حدث  من دون تنسيق،  لكن الدور القادم من البيت الداخلي للنظام  (الشيوخ  وبعض النواب) كان حاسما ، إضافة إلى تراجع مسعود في نهاية المطاف بحيث أصبحت جميع المعارضة التقليدية خارج الحوار الوطني الشامل. وفي حقيقة الأمر فإن الانتصار الحقيقي من نصيب عزيز الذي انتصر على إغراءات البقاء في السلطة  ومحاولة نسخ   تجربة بعض الرؤساء الأفارقة  السودان اتشاد وغيرها . أما نجاح المعارضة في هذه المرحلة فهو مرتبط بدورها في استثمار الوضع الجديد لمصلحة البلد.
الأمل  الجديد : هل انتهى خطر الالتفاف على الديمقراطية بانتهاء موضوع المأمورية أم مازال هناك تخوش على مستقبل الديمقراطية ؟
الجواب : نحن لم نحصل بعد على الديمقراطية كنظام فعال يسير من تلقاء نفسه ، لكن الخطر على الديمقراطية يكمن في عدم مسؤولية أو تشبث المسؤولين بحماية  المحظيات،  بأهمية التراكم،  والنَصِية في التعامل معها ، والتنكر لها عند أول محطة  ، فنظامنا الوليد ضعيف أيضا ، ولا يوجد من يدافع عنه باستماتة وبعمق ، والأسوأ في كل أوجاعنا هو ظهور ممثلين للشعب يطالبون  على  الملأ باختراق الدستور في مواده المحصنة. إنه  أمر أشبه بظلم ذوي القربى . وكذلك ظهور وزراء، من بينهم وزير العدل، وهم يرتكبون مخالفة الواجب في احترام القانون .وهذا يجعل الديمقراطية في غير مأمن . ثانيا هناك طريقتان للالتفاف على الديمقراطية: طريقة تغيير القوانين والإجراءات والمساطر، ويوشك الاتفاق بشأنه أن يكون حاسما .أما الطريقة الثانية فهي تزوير إرادات الناخبين وتدخل مراكز قوة يفترض فيها الحياد، وتدخل المؤسسة العسكرية والمال السياسي واستخدام نفوذ الدولة ومركزها. وهذا هو ما يمنع التحول نحو الديمقراطية الوظيفية . ولابد من الحد منه وذلك لن يتم إلا من خلال فتح نقاش جديد حول اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، بحيث تتجاوز صلاحيتها تنظيم العملية الإنتخابية في الحقل الفني للإنتخابات إلى الظروف والشروط، وتمنح صلاحيات أوسع وقوة أكبر في الرقابة والتنظيم . ثم تفعيل قوانين الإنتخابات وإجرءات تسيير الحملات السياسية والتزمت في تلك القوانين .
الأمل الجديد : ما هو المطلوب من السياسيين ؟
الجواب : خطاب ولد عبد العزيز فتح المجال للتناوب. وقد يكون التناوب الجدي العميق  بأن ينسحب نهائيا من المشهد ويترك المجال للشفافية ، وقد يكون التناوب الشكلي  يغيب في شخصه وينصب صنوه أو خادمه ، فذلك يتوقف على استغلال السياسيين وبصفة خاصة المعارضة لهذا المعطى الجديد لكي يتم على أرض الواقع ، ولن يتم ذلك إلا بالتعاون مع عزيز لنزع السلطة من يد الجيش، وذلك يتطلب اعطاء العسكر الثقة بالأمان  في المستقبل وعلى رأسهم عزيز ، والدخول معهم في تبادل الدفائن وأسرار المستقبل أي التخطيط بصفة مشتركة للمستقبل. لابد من أن يقدم المدنيون ثمنا معينا للعسكر الذي مازال يتربع على المشهد ويملك كل مفاتيحه ولن يقبل الخروج منه إلا بجهد من داخله . على المعارضة أن ترحب بالخطوة وتطلب الدخول على الخط فيما يتعلق بالمخرجات وتشارك في إعادة صياغة خطة لعملية تحول سياسي تكون جزءا منها ،  وتوقف نشاطها المتعلق بالمسيرة وتوقف الحملات  لأن ذلك تابع لإستراتيجية مجابهة مأمورية ثالثة واليوم قد تغيرت بعض المعطيات المهمة وبهذا على المعارضة تغيير أسلوبها وإعطاء فرصة  لإستيفاء شروط التناوب . ثم على النظام أن يوقف الخطوات نحو تنفيذ المخرجات ويفتح قنوات صادقة مع المعارضة لأجل بناء الثقة وأن يعلن عدم تمسكه بغلق الباب أمام مسألة السن. أعتقد أن هذا المسار سيخلص البلد ويعبر به إلى بر الأمان .
الأمل الجديد : من هو المرشح الأوفر حظا في الرئاسيات المقبلة في ظل الأوضاع الراهنة ؟
الجواب : كما أسلفت نحن بحاجة لشخصية إدارية تملك شرعية نضالية تؤمن بالإدارة والقانون ولا تشكل خطرا على أي جناح مدني ولا عسكري، وإذا تم بالفعل تجاوز الشيخين المذكورين آنفا فلن يكون للمعارضة حظ في السلطة نتيجة لغياب الشخصية التجميعية لأطياف المعارضة ولا يعني ذلك خلو المعارضة من شخصيات ذات مصداقية عالية ، لكن البصمة الأيديولوجية عائق كبير ، ثم أننا في الحال أمام خمسة أو ستة معارضات غير قادرة على تنسيق موقف واحد ولو للحظة واحدة  وتقف وراءها قوى متعددة الطموح . صحيح أن معنى التناوب الحقيقي الذي سيغير الكثير في البلد هو بوصول إحدى الشخصيات المعارضة المعروفة للسلطة ، لكن معوقات ذلك كثيرة وعلى كل حال لن تصل بجهد المعارضة وبهذا لا تكن المعارضة وصلت للسلطة . ففي البلد قوى عديدة مؤثرة لكنها ليست موحدة أمام الانتخابات ، فالقوة الوحيدة الموحدة أمام هذا النوع من الأحداث هو الجيش والقوى الاقتصادية وهم في النهاية من يقرر النتيجة ، وهنا لابد من أن نطرح في الحسبان الشخص الذي يحظى باحترام تلك القوي بما في ذلك القوى التي تحرك المشهد من الخارج ، إن هذه الشخصية إذا لم تشكل تناوب راديكالي فلن يشعر أحد أنه مستهدف بنجاحها وذلك مكسب في حد ذاته ومدخل أو ممهد للتناوب المنشود ، حتي تنضج ظروف العمل السياسي وتكون المعارضة ليست جريمة في حد ذاتها ويمكن لأهل "  لخيام"  الأهالي القبول بالمعارضة دون أن يتعرضوا للحرمان من "الإسعافات " الصدقات أو السياجات أو الآبار ...... وأعتقد هنا  أن سيدي محمد ولد بوبكر بموضوعية  تامة  هو المناسب لهذه المرحلة  .

شكرًا محمد محمود بكار

تصفح أيضا...