
إن المتابع للشعر العربي أيام الفتوحات الكبرى في الشام، وفارس، ومصر وغيرها ، والذي جاء على لسان الشعراء المشاركين في الفتوحات، يجد نفسه أمام مدونة ثرية الموضوعات، لصيقة بالذات، صادقة في تصويرها الواقع، وفي تعبيرها عن الهواجس الإنسانية الموزعة بين العواطف الآنية؛ والمكاسب الأخروية؛ وكل ذلك بلغة سهلة رفيعة ، تحكي قصة الشاعر المرابط على أبواب الثغور، وعند بوابات الحصون.
وتوضح هذه المدونة أن الشعر العربي في هذه الفترة ، لم يكن متدني المستوى، ولا ضعيف التركيب، كما يتوهم بعض المؤرخين والنقاد؛ الذين رأوا أن الشعر في العهد الإسلامي الأول ضعفت لغته، وانحسرت صوره مقارنة بالشعر الجاهلي؛ فقد حكم ابن سلام الجمحي على شعر حسان بن ثابت بأنه لان وضعف مقارنة بشعره الذي قال في العهد الجاهلي.
ولسنا بصدد المفاضلة بين الشعر في هاتين المرحلتين ، ولكننا نود االتنبيه إلى أن الناس انشغلوا عن الشعر في العهد الراشدي؛ فأغلب الشعراء المسلمين استبدلوا نظم الشعر بتعلم أمور دينهم ، وتدبر معاني القرآن الكريم ، كما انصرفوا إلى القيام بالمهام التي يكلفهم بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء من بعده.
ذلك أن المسؤولية الملقاة على الفرد المسلم أيام تأسيس الدولة الإسلامية، لم تترك الوقت الكافي للجنوح إلى الخيال ، ولا إطلاق العنان له؛ وإنما أصبح هناك واقع يتطلب عملا جادا، والتزاما بأوامر الله ونواهيه، وتفقها في أمور الدين، ومساهمة في بناء الدولة.
إلا أننا لا نعدم في هذه الفترة، شعراء ظلوا أوفياء للشعر، ينظمونه دفاعا عن الإسلام ونبيه الكريم، وردا على أعداء الدين، وتغنيا بانتصارات المسلمين، ومن هؤلاء نذكر شاعر الرسول الكريم: حسان بن ثابت، وعبدالله بن رواحة، -رضي الله عنهما- وغيرهما.
ولا يعني هذا القول أن الدين الإسلامي حارب الشعر ،أو وقف ضده، وإنما نبذ الإسلام ذلك النوع من الشعر الذي يكرس قيم الجاهلية؛ فيدعو إلى الغواية ، ويذكي نار العصبية، ويهتك أعراض الناس.
وبالمقابل شجع الإسلام الشعر الملتزم الذي يتغنى بالقيم الإسلامية الفاضلة ، والعواطف السامية ، ويسعى إلى تهذيب الأخلاق، والحفاظ على تماسك المجتمع .
ولعل أشعار الفتوحات التي نحن بصدد الحديث عنها، تقدم نموذجا للشعر الرفيع، الذي يحمل تلك العواطف الإنسانية السامية، الصادرة عن تعاليم الدين الحنيف، والتي تجعل الإنسان يستجيب لمنادي الجهاد، ويمتثل لأوامر ولي الأمر، فيضحي بنفسه وماله من أجل إعلاء كلمة الحق، وصون الوطن، والدفاع عن حمى الإسلام، وفي ذات الوقت فإن هذه الأشعار تحمل مشاعر الإنسان المبعد عن أهله وأرضه، وتصف ما يكابده من شوق وحنين، وما يعرض له من أحلام وهواجس، وهو مرابط في بلاد الغربة، أو داخل ساحات القتال؛ أو أسير بأرض العدو، كل هذا بأسلوب سلس شيق، ولغة بعيدة عن الغرابة، وصور بلاغية مؤثرة.
وسنتوقف عند نماذج من هذا الشعر، لنقرأ من خلالها تلك النوازع النفسية المختلفة، التي تتجاذب الإنسان في مثل هذه المواقف، وكيف عبر عنها شعراء الفتوحات، أثناء رحلتهم الجهادية وهم يعيشون بعيدا عن مرابعهم وذويهم، ويحلمون بالعودة الوشيكة إلى أرضهم.
يظهر الشاعر المعروف النابغة الجعدي، لحظة السفر إلى بلاد الشام ، موزعا بين عاطفتين قويتين: عاطفة الالتزام الديني والواجب الجهادي الذي لا يمكنه التأخر عنه، ولا التهاون بشأنه، وعاطفة الزوج الحنون الذي يفارق زوجته وأمه وأولاده متوجها إلى ساحة الجهاد في أرض بعيدة، ليواجه جيش الروم القوي، فيقول في نبرة حزينة تحمل فيما تحمل أساليب الإقناع والتسليم:
يَـا بِـنْتَ عَـمِّي كِتَابُ اللَّـهِ أَخْرَجَنِي عَـنْـكُــمْ، وَهَـلْ أَمْـنَـعَـنَّ اللَّـهَ مَـا فَـعَـلَا
فَإِنْ رَجَعْـتُ، فَرَبُّ النَّاسِ أَرْجَعَنِي وَإنْ لَحِـقْــــتُ بِــرَبِّي، فَـابْــتَـغِـي بَــــدَلَا
مَا كُـنْتُ أَعْـرَجَ أَوْ أَعْمَى فَيَعْذُرَنِي أَوْ ضَارِعًا مِنْ ضَنًى، لَمْ يَسْتَطِعْ حِوَلَا
إنه في هذه اللحظة الحرجة، لا يجد بدا من إقناع زوجته بالدليل والحجة الواضحة، فالله فرض عليه الجهاد بالنص الصريح ، ولم يجعله من المعذورين في التأخر عنه؛ ولا المسامحين فيه، فلا هو بالأعمى، ولا بالأعرج ، ولا المريض؛ ويحيل الشاعر في ذلك إحالة واضحة إلى قوله تعالى من سورة الفتح: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما}. فالشاعر في هذا الموقف لا يحاول أن يقنع زوجته فحسب، وإنما يحاول كذلك أن يوطن نفسه على الفراق، سعيا إلى أداء الواجب ونيل النعيم الذي وعد الله به عباده المتقين.
إن إحساس الشاعر في مثل هذا الموقف هو إحساس بالغ التأثير، حيث تتجاذبه عاطفتان؛ عاطفة البقاء قريبا من أمه وزوجته وصغاره، وعاطفة الواجب الديني التي تلزمه بالرحيل إلى ساحة الجهاد، وتعده بالثواب.
وفي هذا المقام لا يغيب عن الشاعر، أن يذكر زوجته بأن عودته من هذه الرحلة ليست أكيدة، فربما يكون فراقه لهم أبديا، فعليها أن توطن نفسها على ذلك الاحتمال الصعب:
فَإِنْ رَجَعْـتُ، فَرَبُّ النَّاسِ أَرْجَعَنِي وَإنْ لَحِـقْــتُ بِــرَبِّي، فَـابْـتَـغِـي بَــــدَلَا
وهنا نلاحظ كيف ابتعد الشاعر عن الأنانية، وأظهر تسامحه وتفهمه لظروف زوجته بعد موته، فترك لها مطلق الحرية في أن تختار شريك حياة ، يسهر عليها ويرعاها، وفي هذا الموقف الكثير من الإنصاف والوفاء.
غير أن هذه القوة التي أظهر الشاعر أمام زوجه، وذلك التماسك الذي أبدى أمام أمه، لا يلبث أن ينقلب حنينا وبكاء، بعدما ابتعد الشاعر عن الديار، واقترب من أرض العدو؛ ففي هذه اللحظة أطلق لنفسه العنان، فبكى بحرقة، وتذكر موقف أمه الحزين وهي تودعه، وتوسلات زوجته أمامه بأن لا يرحل:
حَـتَّى إِذَا هَـبَطَ الْأفْـلَاجَ وَانْقَطَعَـتْ عَـنْـهُ الْجَـنُـوبُ، وَحَلَّ الْغَـائِـطَ السَّهِـلَا
أَبْـكَى وَلَهَّفَ أُمَّـيْـهِ، وَقَــدْ لَهِـفَـــتْ أُمَّـاهُ، وَالْأُمُّ مِـمَّــا يُــنْــحِـــلُ الْـخَـــيَــــلَا
إنه في هذه اللحظة يعي حقا لحظة الفراق، ويحس من اللوعة والحنين ما كان أخفاه عن نفسه سابقا، خاصة بعدما دخل أرض العدو، واقترب من ساحة القتال، في رحلة لا يمكن أن يتنبأ بما ستؤول إليه.
أما على الجبهة الشرقية ، بأرض الفرس، فيصف لنا الشاعر بشر بن ربيعة الخثعمي حالته النفسية وهو يخوض معارك القادسية، إنه يصف واقع الشاعر المغترب الذي يزوره ليلا طيف زوجته الحبيبة، فيثير أشجانه، ويذكره بالديار والأهل, طيف قطع المسافات الشاسعة، ليوافيه وهو الجندي المرابط، في أقاصي ديار فارس:
ألـــمَّ خَـــيَــالٌ مِنْ أُمَـيْـمَـــةَ مَـوْهِــــنـًا وَقَـدْ جَعَـلَـتْ أُولَى الـنُّجُـــومِ تَغُـورُ
وَنَــحْــنُ بِصَحْـــرَاءِ الْعُـذَيْــبِ وَدَارُهَا حِــجَـازِيَّــةٌ، إنَّ الْمَـــحَـــلَّ شَـطِـــيــرُ
وَلَا غَـرْوَ إِلَّا جَوْبُهَا الْبِيدَ فِي الدُّجَى وَمِـنْ دُونِـــنَــا رَعْــنٌ أَشَــمُّ وَقُــــورُ
إن طروق الطيف يضاعف ألم الشاعر، فتبدو الدنيا بالنسبة له سجنا كبيرا، لا يشاركه فيها حالته النفسية، ولا موقفه العاطفي، إلا ناقته التي بدأت تحن حنينا موجعا يحمل كل آلام البعاد والغربة؛ تلك الغربة الممضة التي اشتدت وطأتها حتى على البهائم، فكان حنين الناقة أبلغ تعبير عن ألم البعد:
تَـحِـــنُّ بِـبَـابِ الْقَـادِسِـيَّـــةِ نَـاقَـتِي وَسَـعْـــدُ بْــــنُ وقَّـاصٍ عَلَيَّ أمِـيــرُ
وليست غربة الشاعر، وزيارة الطيف هي ما يؤرقه فحسب، وإنما إحساسه بالعجز أمام قائده القوي، الذي لا يتهاون في شأن من يخرج على الطاعة من الجند؛ إنه سعد بن أبي وقاص ذلك الرجل المخلص والصارم، الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يتهاون في أمور الحرب. لقد قُضي على الشاعر أن يكون جنديا تحت إمرته، لذلك لا يجد مناصا من الانصياع لأوامره.
ثم يبدأ الشاعر يستعطف قائده بطريقة غير مباشرة، فيذكره ببلائه الجميل في الحرب، وكيف واجه كتائب الجيش الفارسي بشجاعة واستبسال، في حرب يتمنى كل من يحضرها أن ينسحب منها، لعل القائد يرق لحاله، ويأذن له بالعودة إلى الأهل والأوطان، فيلاقي أميمة، وتنعم ناقته بالعودة إلى قطيعها:
تَـذَكّـرْ -هَدَاكَ اللَّـهُ- وَقْعَ سُيُوفِنَا بــِبَـابِ قُــدَيْـــسٍ، وَالْمَكَـرُّ عَـسِـيــرُ
إِذَا مَا فَـرَغْـنَــا مِـنْ قِـرَاعِ كَـتِـيـبَــــةٍ دَلَـفْـنَــا لِأُخْـــرَى، كَالْجِـبَــالِ تَسِيــرُ
عَشِيَّةَ وَدَّ الْقَــوْمُ لَـوْ أَنَّ بَعْـضَهُمْ يُـعَــارُ جَـنَـاحَـيْ طَــائِـرٍ فَـيَـطِـــيــــرُ
هي عاطفة صادقة، تصف واقع الحرب المرير، وما يلاقيه المسلمون في حرب القادسية من كتائب ضخمة مدججة بالسلاح، لا يكادون يفرغون من قتال كتيبة حتى تظهر كتيبة أخرى. وتؤكد كتب التاريخ أن أيام القادسية، كانت من أشد الأيام قتالا ، وأقواها مواجهة في تاريخ المسلمين.
ولعل من اللحظات المليئة بالشجن، تلك اللحظة التي يجد فيها الشاعر المجاهد نفسه وقد وقع أسيرا في يد العدو، فيطلق العنان لشعره في ليله الطويل ليصف لنا حالة الأسير، وما يعتمل في نفسه من أفكار، وما ينتابه من هواجس، يقول أبو الهول دامس وهو أسير بحلب أثناء حروب الروم:
يُــوثٍـقُــنِي الْأَعْــدَاءُ بِالْحَـدِيـدِ وَنَــاصِــرِي، وَسَــيِّــــدُ الْمُـبِــيـــدِ
مُهْـلِـكِ عَـــادٍ وَبَــنِي ثَـمُــــودِ يُـغِـيثَـــنِي بِــعَــوْنِـــهِ السَّـــدِيــــد
فالشاعر يصف حالته في الأسر وهو مكبل بالحديد، ولكن عاطفته الدينية وإيمانه العميق بالله ، يجعلانه يتغلب عل هذه الحالة الحرجة؛ فلا يلين أمام العدو، ولا يتراجع عن مبادئه السامية، بل يوقن قاطعا بأن العلي الكريم قادر على أن يفك أسره ، ويهلك الظالمين أعداءه كما أهلك قوم عاد وثمود.
هذه النماذج من شعر الفتوحات تقدم لنا وصفا وافيا لحالة الشاعر المجاهد، وما ينتابه من حالات نفسية متعاقبة، وما يعمر قلبه من إيمان عميق، وما يمر به من لحظات نفسية عصيبة، كل هذا في لغة سهلة تستمد الكثير من ألفاظها من لغة القرآن والسنة، وتصور الواقع بكل دقة وصدق.

