
ليس أخطر على الوطن من أن تتحول السياسة إلى لعبةٍ تتبدل فيها الأدوار، بينما تبقى الأزمات ثابتة في أماكنها. فحين يصبح الحوار حلقةً خاطفة في دورة الصراع، لا جسرًا إلى الإصلاح، يغدو الوطن هو الخاسر الأكبر، مهما تعددت البيانات، وتعاقبت اللجان، وتزاحمت المنابر.
واليوم، ومع توقيع الأطراف السياسية للوثائق الممهدة للحوار ، يجد الموريتانيون أنفسهم أمام امتحان جديد؛ ليس امتحان القدرة على الجلوس حول طاولة واحدة، وإنما امتحان القدرة على مغادرة منطق المناورة إلى منطق بناء الدولة.
إن الإشكال الذي يفرض نفسه ليس في وجود السلطة والمعارضة، ولا في اختلاف الرؤى بينهما، فذلك من طبيعة العمل السياسي، وإنما في السؤال الجوهري: هل سيكون هذا الحوار بداية لعقد وطني جديد، أم سيظل أسير لعبة القط والفأر؛ يتبادل فيها الجميع المواقع والخطابات، بينما تبقى المشكلات الكبرى تنتظر حلولًا مؤجلة؟
وإذا كان هذا الحوار يطمح إلى أن يكون محطةً فاصلة في تاريخ البلاد، فإن نجاحه لن يتحقق إذا نظر إلى بعض المظالم وأغفل بعضها الآخر، أو إذا فتح ملفات بعين وأغلق أخرى بعين ثانية. فالعدالة لا تتجزأ، والإنصاف لا يعرف الانتقائية. لقد عرفت موريتانيا، عبر تعاقب الأنظمة، مظالم متعددة ذات أبعاد سياسية وحقوقية واجتماعية واقتصادية، ولا سبيل إلى مصالحة وطنية حقيقية إلا بالنظر إليها جميعًا بروح واحدة وبمكيال واحد ، بعيدًا عن تصفية الحسابات أو اختزال تاريخ الوطن في رواية واحدة.
فلا تمكن معالجة الموت في سجون الأنظمة بمكيالين مختلفين، حسب هوية الضحية ولا التعذيب في السجون والفصل من العمل، فنفس الوقائع لاتمكن معالجتها بٱليتين مختلفين علي اساس هوية الضحية .
فإنصاف الماضي لا يكون بإقامة ميزان مختل، ولا بتحويل الحوار إلى محكمة لإدانة طرف دون آخر، لأن الانتقائية في معالجة المظالم قد تتحول هي نفسها إلى مظلمة جديدة، وقد تزرع جراحًا إضافية بدل أن تضمد الجراح القديمة. إن الوطن الذي يبحث عن المصالحة لا يحتاج إلى ذاكرة انتقائية، بل إلى ذاكرة عادلة تعترف بالآلام حيثما وجدت، وتحفظ كرامة كل مواطن، وتستخلص من الماضي دروسًا تمنع تكرار الأخطاء.
فالحوار الذي يبحث عن بناء المستقبل لا يجوز أن يحاكم جزءًا من الذاكرة ويغض الطرف عن بقيتها، بل ينبغي أن يجعل الحقيقة والإنصاف أساسًا لمعالجة كل القضايا، وإنصاف كل المتضررين، وترميم الثقة بين الدولة والمجتمع، حتى يشعر كل موريتاني بأن الوطن يتسع لجميع أبنائه، وأن العدالة لا تميز بين المواطنين.
إن المواطن الموريتاني لا ينتظر انتصار هذا الطرف أو ذاك، بل ينتظر انتصار الوطن. ينتظر حوارًا يعالج جذور الأزمات، ويعزز دولة القانون، ويكرس العدالة والمساواة، ويقوي المؤسسات، ويعيد الثقة بين الدولة والمجتمع. أما إذا انصرف الجهد إلى تسجيل النقاط السياسية، أو تحسين المواقع التفاوضية، أو إعادة إنتاج الخلافات القديمة، فإن الحوار سيفقد روحه، وسيتحول إلى حلقة جديدة من مسلسل طويل من الكر والفر.
ولذلك، فإن المسؤولية اليوم مشتركة بين جميع الأطراف: احزاب الأغلبية، والسلطة، والمعارضة، وسائر القوى الوطنية. فالتاريخ لا يسجل عدد الاجتماعات، ولا طول الوثائق، وإنما يسجل ما إذا كانت النخب قد ارتفعت فوق حساباتها الضيقة لتضع مصلحة موريتانيا أولًا.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل جلسة وكل وثيقة وكل نقاش: هل نكتب فصلًا جديدًا في تاريخ الدولة، أم نكرر فصلًا جديدًا من لعبة القط والفأر؟ إن الإجابة لن تكون في الكلمات، بل في النتائج، وفي قدرة الجميع على تحويل الحوار من ساحة للمناورة إلى ورشة حقيقية لبناء وطن يتسع لجميع أبنائه، ويؤسس لمستقبل تصنعه المؤسسات، ويحميه القانون، وتجمعه المصلحة الوطنية...
عبد الرحمن سيد امحمد

