جدو ولد خطري يكتب : تحية للخبرة العسكرية   

ثلاثاء, 23/06/2026 - 15:39

قرأت اليوم، كما قرأتم، نبأ عزم البرلمان الموريتاني المصادقة على قانون يمنع العسكريين المتقاعدين، ولا سيما كبار الضباط، من ممارسة أي نشاط سياسي أو الانخراط في هيئات حزبية أو التوقيع على عرائض سياسية طيلة خمس سنوات من وضع السلاح. وهذا النبأ أثار في نفسي تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كنا بصدد تعزيز الدولة المدنية أم حرمان البلاد من رصيدها البشري الأثمن، فالعسكري المتقاعد ليس مواطناً عادياً فحسب، بل هو من حمل على عاتقه مسؤولية أمن البلاد واستقرارها لعقود، وتدرج في مسؤوليات القيادة حتى أتقن فن التدبير وإدارة الأزمات وقراءة المخاطر، فكيف يُستبعد من المشهد السياسي وهو في أوج نضجه وخبرته؟

 

إن الحكمة السياسية التي أستند إليها تقتضي الفصل بين زمن العسكرة وزمن السياسة، لا بين الإنسان ووطنه، فالعسكري في ثكنته سلاحه بيده وأمره طاعة وحياده واجب، لأنه عمود الأمن القومي، ولكن بعد التقاعد يعود مواطناً كغيره يملك حق الرأي والترشح والانتماء، ولا ينبغي أن يُعاقب على ماضٍ خدم فيه الوطن بكل إخلاص. فالديمقراطية لا تقوم على العاطفة وحدها، بل تحتاج إلى عقول جربت القيادة وتحمّلت المسؤولية ووازنت بين المصالح، والعسكري المتقاعد يشكل قيمة مضافة للمشهد السياسي لا تهديداً له، فهو فضلاً عن خبرته الميدانية، يحمل قيماً وطنية وأخلاقية راسخة صقلتها سنوات الخدمة، فلماذا نستبعد من انضبطوا طويلاً وندخل من لم يختبروا الانضباط قط؟

 

إن من يمنع العسكري المتقاعد من السياسة بحجة "تسييس المؤسسة" يغفل أن التقاعد قطع صلته العضوية بها، ومن يدعي أن وجوده في الحياة السياسية يضعف المدنية، فكأنه يقول إن المدنية لا تستوعب إلا من ولد مدنياً، وهذا خطأ جسيم، فالدولة المدنية القوية هي التي تستقطب كل الكفاءات ولا تُقصي أحداً بسبب مهنة سابقة. والتجارب المقارنة تثبت أن الدول التي نجحت في الانتقال الديمقراطي لم تُقصِ عسكرييها المتقاعدين، بل وظفت خبراتهم في البرلمانات واللجان الاستشارية، لأن الحكمة تقول: من عرف الداء يعرف الدواء، وموريتانيا في خضم تحولاتها السياسية والأمنية أحوج ما تكون إلى من يحملون في جعبتهم خبرة الميدان وفقه الدولة.

 

وأتفهم الحرص على حيادية المؤسسة العسكرية، بل أؤيد منع النشاط السياسي أثناء الخدمة الفعلية، لكنني أرى أن تمديد هذا المنع خمس سنوات بعد التقاعد فيه مبالغة، وكأن المتقاعد لا يزال جندياً تحت الطلب، وهذا يشبه أن نمنع الطبيب المتقاعد من الاستشارة الطبية أو الأستاذ المتقاعد من التأليف التربوي، إنه إهدار للخبرة وتضييق على الحريات دون مبرر موضوعي، والأجدر وضع ضوابط أخلاقية لمنع تضارب المصالح لا منعاً شاملاً،.

 

وفي الختام، أقول كما أعتقد يقيناً: إن خير من تسند إليه مقاليد الأمور، من عرف ثمن الأمن وأخلص للوطن وأتقن فن القيادة. والعسكري المتقاعد ليس عدوًا للديمقراطية، بل هو رافد من روافدها، انضباطه ووطنيتُه وخبرتُه، مضافاً إليها قيمه الوطنية الراسخة، هي ما تحتاجه السياسة الموريتانية لتتخلص من بعض آفاتها. فلنمنع العسكري من السياسة وهو في ثكنته يحمل سلاحه، ولكن حين يضع سلاحه ويخرج إلى المجتمع، فلنرحب به كمواطن فاضل، وخبرة وطنية نادرة، وصوت يعرف قيمة الأمن والاستقرار لأنه دافع عنه طويلاً.

تصفح أيضا...