
في صحراء لا تعرف حدوداً، عاشت أسرة متواضعة حول بئر ماء ومرعى خصب. كان لهم تيس كبير جميل الصوت، يرتفع نبيبه "أَتْوّلّْوِيِلْ" وحده في الليل، بينما تصمت بقية التيوس الصغيرة. أدرك الأب الحكيم أن هذا النظام الصوتي يحفظ توازن المكان. لكن زوجته خشيت أن يجذب الصوت قطاع الطرق، فطلبت ذبحه. رفض الحكيم مراراً، ثم استجاب ذات يوم فذُبح. في الليلة التالية، فوجئ الجميع: كل التيوس الصغيرة بدأت تصوت عالياً، متنافسة في "أَتْوّلّْوِيِلْ"، وتحول الليل إلى فوضى. سمع قطاع الطريق الضجيج وشنوا غارة، وسلبوا كل شيء. قال الحكيم: "ظننت أن صمت التيوس سلبية، فإذا هو نظام. كثرة 'أَتْوّلّْوِيِلْ' لا تعني قوة."
هذه القصة لا تحكي عن مكونة بعينها، بل عن كيف تموت القضايا العادلة حين يستولي عليها المكثرون. ففي فجر جمهوريتنا، كانت هناك قضية إنسانية كامنة في النسيج الاجتماعي، لم تتصدر السجال. لكن مع الزمن، كثر من يمتطونها لأغراض شخصية، وكأن كثرة الطباخين لا تزيد الملوحة. الخطر لا يأتي من أعداء الوحدة وحدهم، بل من المتملقين الذين يحولون القضية إلى سوق مزادات.
ومن بين هؤلاء، برز أحد الدعاة طالب بحماية دولية لهذه المكونة. وهو بذلك يشبه السامري في زمن موسى، الذي أخرج لهم عجلاً جسداً له خوار وقال: "هذا إلهكم". لم يكن السامري حكيماً، بل أراد حلاً من خارج القبيلة ليحدث فتنة. فالتماس الحماية من الخارج هو خوار آخر. إن الحل الحقيقي لا يكمن في الاستجداء من الخارج ولا في كثرة المطالبين، بل في العدل الذي لا يفرق بين مكون وآخر، وفي التنمية التي تصل إلى كل خيمة، وفي الإيمان الراسخ بقيم الجمهورية: مواطنة متساوية، وحقوق مكفولة، وكرامة مصانة. من يطلب حماية دولية لمكونة داخل وطن واحد، فهو كمن يستدعي قطاع الطرق ليحلوا مشكلة الإناء المكسور داخل الخيمة. القضية الحقيقية لا تخدمها "أَتْوّلّْوِيِلْ" الليل، بل حكمة النهار التي تضع العدل والتنمية والإيمان بقيم الجمهورية فوق كل الأصوات المتعاقبة.

