جدو ولد خطري يكتب : روق تَيْدِشمه

اثنين, 16/03/2026 - 18:33

من يعرف البادية يعلم أن الحياة فيها فصول، ولكل فصل طعمه ووقفته. وحين ينقضي الشتاء ويبدأ الدفء ينساب في الوديان (واد ، عگده ، آگني ، شلخه تاشوط، أگيل ...)، يأتي ( يدخل ) فصل "تِفسكي" حاملاً بشائره. تتفتح الأزهار (النوار أو تَيْدِشْمَه) على أغصان بعض الأشجار (التمات، صّدْرْبيظ...)، كأنها تاج جديد، و يتساقط الخروب (الطلح ، أوروار ..) و كذلك  بقايا  النبق ( النبگ) أوراق  السدر و التمات .. " أذرور " و تيدشمه  غالباً مع هبات الريح أو بهز الأشجار عن طريق "أميتار أو أجيْكار ".

في مثل هذا الفصل "تفسكي" في إحدى السنوات، كنت أقضي الأوقات "فسكيت" مع الوالد أطال الله عمره، الذي منذ تقاعده أصبح جل وقته في باديته، في تأمل وراحة بال كما كان يحلم دائماً. وفي إحدى المرات، ذهبنا "أسدّبينه شور لغنم" إلى "تاشوط أگْدح الواد". وبينما كنا نتأمل المنظر الخلاب والماعز تنتشر هنا (إيروق أو إيصاوع النوار او تديشمه ) و هناك، همس الوالد وقال: "انظر إلى الماعز، وركز على تلك العنز أگوناط". وأشار بإصبعه نحو معزة بعينها: "تابع تلك المعزة تحديداً، فالقطيع كله له نفس السلوك، لكن ركز أنت فيها".

حدّقت فيما يشير إليه، وراحت عيناي تتابعان تلك المعزة "گوناط" التي لا تهدأ، تملؤها الحيرة والطمع، لا تستقر على حال. ترنو إلى شجرة "تمتايه"، ترى "تيدشمه" (النوار) يتساقط عند قدميها مع هبة الريح. تهرول مسرعة، تركض لتنال نصيبها. ولكن قبل أن تلتقط أنفاسها وتأكل منه، تنظر حولها فترى شجرة أخرى على بعد خطوات، تظن أن تحتها أكثر، وأن الغصن الآخر أغنى. فتترك ما بين يديها لتعدو نحو السراب الجديد.

وهكذا من الصباح حتى المساء، تظل تلك المعزة تجري من شجرة إلى شجرة، تتبادل المواقع خلف كل نسمة ريح. كلما تساقط "نوار" جديد تحت شجرة، تركت شجرتها وركضت إليه. وحين يأفل النهار، تعود المعزة منهكة،  "ماهي بادن"، لم تشبع من ثمر شجرة واحدة، وتطلب الراحة وقد أضنتها الخطى، لتبدأ الاجترار في الليل "تجر النبگ، توگه...".

التفت إليّ الوالد وقال لي :، لو أن هذه المعزة تمسكت بظل شجرة وحيدة لشبعت  "تبدن" كما قال، واكتفت ، ولكنها آثرت الجري على الاستقرار، واستبدلت اليقين بالطمع "كلت نزوليت البركة"، فخسرت الكل وهي تظن أنها تربح الكل. فاحفظها حكمة تبقى معك، وكن ثابتاً تثمر ، ولا تكن هائماً لا تجني إلا التعب. فرزقك لا ينقصه التأني، ولا يزيد في رزقك العناء".

اللهم مثبتنا، ثبتنا وثبت من تشاء من عبادك على ظل شجرة واحدة، شجرة مبادئ لا تعصف بها رياح المناصب، وظل وفاء لا تتبدل أوراقه بتقلب الفصول. شجرة إن هبت عليها ريح تمايلت ولم تنكسر، وإن أسقطت زهرا او ثمارا حافظت على أصلها. ولا تجعلنا ممن يرتعون تحت كل شجرة مع كل تعيين جديد، يركضون خلف كل زهرة أو ثمرة متساقطة، فإذا ذبلت الأغصان أو مالت الأشجار، ركض القطيع إلى غيرها وهم يحسبون أنهم يحسنون. وما يعلمون أنهم كلما ركضوا خلف الكل، خسروا الكل، وأن من ثبت على شجرة واحدة، أينع ثمره وآتاه الله أجره من حيث لا يحتسب.
اطيب المنى

تصفح أيضا...