حوار بلا ضمانات.. مأزق الثقة بين النظام والمعارضة  / سيدي الطيب ولد المجتبى ( رأي)

جمعة, 06/02/2026 - 17:04

 

لم يكن مسار الحوار السياسي في البلاد سالكاً لقاصديه ولا واضح المعالم لدعاته ومدعيه، فقد اتسم منذ بداياته بالتردد والمراوغة وشيئ من السخرية والعبثية في جميع محطاته. 
في فترات سابقة أعلن النظام استعداده لحوار سياسي شامل ثم ما لبث أن تراجع عنه وعيّن شخصيات للإشراف عليه قبل أن يسحب منها الثقة ودخل في نقاشات جزئية مع بعض أطراف المعارضة ثم تجاهل مخرجاتها بل رمى بمواثيقها المعلنة في سلة مهملاته.
وفي أكثر من مناسبة ذهب الخطاب الرسمي إلى التأكيد على أن الشرعية السياسية القائمة تغني عن أي حوار، قبل أن يعود لاحقًا وبشيء من التناقض للقبول بحوار “لا يستثني أحدًا ولا يقصي موضوعًا”.

 

وبين هذه المراوغات، كان النظام يغيب في سبات سياسي، فيما يطوي الرأي العام صفحات الوعود المتكررة دون أثر ملموس.
غير أن الأشهر الأخيرة شهدت عودة خطاب الحوار إلى الواجهة، هذه المرة بنبرة بدت أكثر جدية، تُوّجت بتعيين منسق للحوار بقرار مباشر من رئيس الدولة، مع تفويض واضح لدفع المسار إلى الأمام.

وقد عبّر رئيس الدولة حينها عن رغبته في حوار وطني تكون لمخرجاته "آثار إيجابية تتجاوز الحاضر إلى مستقبل الأجيال القادمة."
هذا التطور لم يمر دون ردود فعل متباينة داخل صفوف المعارضة. 

 

فبينما نظر بعض المعارضين بريبة إلى خلفية منسق الحوار، رأى آخرون في تعيين شخصية من خارج الحكومة وحزب الإنصاف إشارة إيجابية توحي بقدر من الجدية، في حين ذهب فريق ثالث إلى التشكيك في الخطوة برمتها، معتبرًا أنها لا تتجاوز كونها إعادة إنتاج لتجارب سابقة.

ومهما يكن من اختلاف في التقديرات، فإن واقع الحال يشير إلى أن قوى وازنة من المعارضة لم تقتنع برسائل النظام، واختارت مقاطعة حوار لا تحيط به ضمانات ملزمة لتنفيذ مخرجاته. 

 

في المقابل، فضّلت قوى معارضة أخرى الانخراط في المسار، انطلاقًا من إدراكها لتعقيد الظرفين الإقليمي والدولي، وما يفرضه ذلك من ضرورة لجوء الموريتانيين إلى طاولة حوار وطني شامل، يناقش القضايا الكبرى العالقة: من الحكامة السياسية وحقوق الإنسان، إلى مشكلات التنمية والأمن والبطالة والفساد.

 

ففي مثل هذه الظروف، يظل الحوار الخيار الأكثر أمانًا، وضرورة وطنية تستدعي من الجميع تقديم تنازلات متبادلة، ومن السلطة خصوصًا تقديم ضمانات واضحة وجدية، تُطمئن الفاعلين السياسيين إلى أن مخرجات الحوار لن تُختزل في بيانات، بل ستُنفذ وتُؤسس عليها مرحلة جديدة تتجاوز المطبات الراهنة، وتغلق الأبواب أمام سيناريوهات لا تُحمد عواقبها على الوطن والمواطنين.
اليوم، تقف المعارضة مشتتة القوى، حائرة في تقييم جدية هذا الحوار، ومنقسمة في قراءتها لمساره، في وقت يبدو فيه حرصها على إنجاحه أكبر من حماس النظام نفسه، والحال أن البلاد تمر بمرحلة بالغة الحساسية، تستدعي تغليب صوت العقل والمسؤولية الوطنية.

 

فالوضع الاجتماعي الداخلي لم يعد مطمئنًا، والإخفاق التنموي يتفاقم، وما لم تُلملم أوجاع هذا الجسد الوطني، وتُرمم جسور الثقة بين مكونات الشعب، فإن مصائر الدول المشتعلة من حولنا قد تصبح لا قدر الله تهديدًا قائمًا في لحظة يأس أو إحباط.

 

من هنا، تبدو المسؤولية مضاعفة على رئيس الدولة، الذي عليه أن يدرك أن البلاد وشعبها أمانة لا مجال فيها للمكابرة أو المزايدة، وأن رمزية الحاكم لا تُصان بالخطاب وحده أو بالقوانين التعسفية، بل بشرعية الإنجاز، وإصلاح الحكامة السياسية، ومحاربة الفساد، وتكريس تكافؤ الفرص، وتحقيق العدالة الاجتماعية. 

 

فبذلك فقط يمكن للحوار أن يتحول من مناورة سياسية إلى مدخل حقيقي للإصلاح سياسي.

تصفح أيضا...