
لم يعد بإمكان أي جهة دولية اليوم أن تنظر إلى الجمهورية الإسلامية الموريتانية باعتبارها مجرد دولة طرفية في جغرافيا الساحل الأفريقي، بعد ما بات اسمها خلال السنوات الأخير حاضرا بقوة في النقاشات الدولية المرتبطة بالسلم والاستقرار بوصفها فضاء للتفكير والحوار، ومنصة لاختبار مقاربات جديدة في إدارة الأزمات. وقد مثل المؤتمر الأفريقي لتعزيز السلم، في دوراته المنتظمة منذ سنوات في نواكشوط، التجسيد الأبرز لهذا التحول، إذ أصبح هذا الملتقى بالفعل فضاء للتفكير وصناعة الدبلوماسية الناعمة، وأسهم في إعادة تشكيل صورة موريتانيا في الوعي الأفريقي والدولي.
لقد أتاح هذا المؤتمر لموريتانيا فرصة حقيقية لتقديم نفسها للعالم كنموذج للدول التي راهنت على الاستقرار بوصفه معرفة، وعلى السلم باعتباره خيارا استراتيجيا فعالا. ففي محيط إقليمي يموج بالتقلبات والنزاعات، نجحت موريتانيا في ترسيخ تجربة ديمقراطية فتية، قائمة على التداول السلمي للسلطة، وعلى مقاربة أمنية شاملة لا تختزل الاستقرار في المعالجة العسكرية، بل تدمج تحصين العقول، والحوار الفكري، وبناء الثقة المجتمعية.
وكانت رعاية الدولة الموريتانية للمؤتمر، عاملا مهما في منحه إطارا رسميا أتاح له الانتظام ومراكمة الخبرات، وإدراجه ضمن الأفق العام للسياسات العمومية. وهو ما مكن موريتانيا من تعزيز حضورها كدولة استقرار وحوار، تجمع بين الشرعية السياسية ورصيدها الثقافي والفكري في مقاربة قضايا السلم.
وفي قلب هذا المسار، يبرز الحضور الفاعل للعلامة الشيخ عبد الله بن بيه بوصفه المرجعية الفكرية الأسمى والقطب الذي تدور حوله رؤى المؤتمر، فهو تجسيد حي ومكتمل للشنقيطي في صورته التاريخية المتجددة، المتشبع بعلوم الشرع كله، والمفكر وفي الوقت نفسه، القادر على مخاطبة الجامعات الكبرى ومراكز البحث الدولية بلغة إنسانية عالمية، دون تنازل عن أصالته العلمية أو مرجعيته الشرعية.
لقد شكل اسم الشيخ عبد الله بن بيه علامة فارقة جعلت اسم موريتانيا يتردد في الأوساط الأكاديمية العالمية، باعتبارها مُنتجا معرفيا في مجال فقه السلم ونقد التطرف. وبفضله، انتقل العقل الفقهي من موقع الدفاع ورد الفعل إلى موقع المبادرة وبناء البدائل، وتحولت المحظرة من رمز تراثي محلي إلى مرجعية حية في النقاشات العالمية حول التعايش والمواطنة وبقية مفردات الحياة المدنية.
ومن أهم مكتسبات مؤتمر السلم أنه فتح نواكشوط أمام تلاق غير مسبوق بين النخب الدينية والفكرية، وبين صناع القرار والباحثين والمؤثرين الدوليين. هذا التلاقي أتاح للآخرين أن يكتشفوا العقل الديني الموريتاني في صورته الحقيقية، كعقل وسطي، رصين مسالم، وقادر على إنتاج خطاب كوني من داخل المرجعية الإسلامية، بعيدا عن الصور النمطية الجاهزة، وفي الآن نفسه مكن الفقهاء الموريتانيين من الاطلاع على عقول ورؤى من مدارس أخرى لها مناهجها وتصوراتها المختلفة.
لقد منح المؤتمر شرعية أخلاقية لمسارات السلم، وأكد أن الحلول المستدامة لأزمات القارة لا يمكن أن تستورد جاهزة، بل يجب أن تنتج من داخل سياقها الثقافي والفكري.
كما أتاح لموريتانيا أن تقدم نفسها كمختبر للسلم الأفريقي، وأن تقول للعالم، بهدوء الواثقين، إن الحكمة حين تجد من يصغي إليها، يمكن أن تتحول إلى سياسة، وأنها حينئذ ستصنع فارقا مريحا.

