محمد فال ولد بَلال يكتب التعددُ .. والجمعُ

خميس, 27/03/2025 - 19:48

 

كنا نتوقع مع الاستقلال الوطني و رفع العلم و تحية النشيد و بناء مؤسسات الدولة من رئيس و حكومة و برلمان و إدارة و جيش و مدارس و إذاعة و عملة وطنية و تأميم شركات أجنبية و بناء طرق و مواصلات تربط أنحاء الوطن ببعضها البعض...كنا نتوقع أنّنا سنفكر في أنفسنا كمواطنين موريتانيين؛ و لكن الأمور سارت و تسيرُ على عكس ما كنا نتوقع لها...لم يظهر "المواطن الموريتاني" المتجاوز لذاته الخاصة الذي ينسى قوميته و فئته و شريحته و عشيرته...و يحتضن "الوطن" بأسره؛ بل بدأ صوت الفئوية و الشرائحية و ضجيج الخصوصيات يتصاعد من كل جهة و مكان... ظهر الفرد البيظاني، و الكوري، و الشمالي، و الجنوبي، و أخوك الحرطاني، وأخوك الصانع، إلخ...

 

إننا جميعا نستنكر و ندين تصاعد هذه الولاءات الضيقة؛ لكنه يبقى واقعا مريرا و حقيقة فرضت نفسها منذ تسعينات القرن الماضي بفعل العولمة و عجز النخب الحاكمة عن التأقلم و التعامل مع انهيار التوازنات الداخلية و العالمية. و فشلت محاولات "التحديث" و "التدوّل" المرتجلة التي قوّضت مؤسسات المجتمع التقليدي المستقر منذ قرون، و لم تبنِ  محله "نظاما بديلا عنه". قوضت دور القبيلة و ما كانت تمثله من إطار جامع. و قوضت دور "المحاظر" و ما كانت توفرّه من تربيّة زكيّة و هدْي و توجيه. و قوضت النظام القضائي العادل و النزيه. و أضعفت المرجعّيات الشرعية والعرفِية والأخلاقية التقليدية؛ و في الوقت ذاته نصبت كل العراقيل و الحواجز في وجه بناء "الدولة-الحديثة" [l’Etat-moderne] مُخلفة مجتمعا "تائها" يضطرّ فيه المرء إلى العودة إلى ذاته الأدنى و فئته و شريحته لجماية نفسه أو كسب حقوقه...

 

و هكذا، مرّت 6 عقود و نحن نقول و نُكرّر بأنّنا شعب واحد، و بأنّ الناس ليسوا فئات أو شرائح أو مناطق أو مصالح، وإنما كلّ واحد متـّحد متكامل، لا يتجزأ...6 عقود ونحن نلهج بأننا "أمة" واحدة،  متحابون و متساوون في الحقوق و الواجبات؛ و لكن هذا لم يغير شيئا من الواقع الفسيفسائي الذي فرض نفسه. فبدأنا نتعامل مع التعددية و التنوع بازدواجية غريبة بين مواقف العلن و مواقف الخفاء... في العلن نحن شعب واحد لا يتجزأ .. لا بيظاني، و لا حرطاني، و لا صانع، و لا كوري.. و في الخفاء نحن بيظان، و احراطين، و صنّاع، و اكور، و مناطق، و قبائل شتى...و لا يمرُّ يوم أو يصدرُ قرار إلاّ و هذه التركيبة حاضرة في الأذهان و مأخوذة في الاعتبار. لماذا لا نتعامل مع أنفسنا بواقعية و شفافية و صدق؟ لماذا نعلن غير ما نخفي، و نخفي غير ما نعلن؟ ما الضير في أن نقول بصراحة إننا شعب واحد متعدد الأعراق و الفئات؟ و ما الضير في أن نقول بوضوح إن بعض مكونات شعبنا تشعر بالحرمان و تحس بالغبن؟ و ما الضيرُ في أنْ نقول بصراحة إنّ مواطنينا الزنوج لهم هويتهم و شخصيتهم الثقافية المميّزة، و لهم الحق في الاختلاف و التعبير عن وجودهم الذّاتي بالطرق السلمية و في إطار وطن جامع يتسع للجميع و يسعُ الجميع؟ لا أرى ضيرا في هذا كله في ظل دولة القانون، بل أعتبره الضامن الوحيد للوحدة الوطنية.

 

فلنكُن واقعيّين... لا مناصّ من وجود حركات مثل "إيرا" و "افلام" و خطابات تقول بتخلف هذا المكون أو ذاك في بلاد متعددة الأعراق و القوميات...هذا هو منطق التاريخ... حيثما وُجدت مجموعات تشعر بالظلم و الاضطهاد، لا بُدّ و أنْ ينتشر الوعي بتخلفها مع مرور الوقت، ثم تظهر نخبة متعلمة من أبنائها يزداد بها الوعي و الادراك بهذا التخلف في ظلّ مناخ سياسي عالمي مؤاتي لأطروحات تتخذُ من "الانسانية" شعارها، مثل : محاربة الاسترقاق و التمييز العرقي و اللامساواة و انتهاك حقوق الإنسان و التهميش و الإقصاء، وما شابه... وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن كل الحركات المطالبة بحقوق الشرائح و الفئات و محاربة الرق و التمييز، هي حركات مفيدة أو بنّاءة أو مشروعة، أو عادلة...هناك بالطبع من يصطاد في المياه العكرة، و هناك من يدخل الحلبة من أجل التربح أو من باب المعاندة و الانشقاق ...كم كلمة حق يرادُ بها باطل !؟ و لذا ، تجدرُ الاشارة إلى محاذير يتعيّن الانتباه إليها في طرح موضوع الشرائح و الفئات و الأقليات القومية كي لا نخطئ في مقاربة الإشكالية، بما يجعلنا نعالج خللا أو منكرا فنتورط في خلل أو منكر أشد منه. و الفرق كبير بين المطالبة بحقوق مشروعة للأقليات أو الفئات المظلومة و بين تفكيك المجتمع و زرع الفتنة و الانشقاق و الانفصال و الانفصام. و هنا يكمن دور النخبة الواعية التي يمكنها عبر الحوار و النقاش تطويق الحركات المطلبية و تأطيرها و ترويضها و تهذيبها و درء مخاطرها و شرورها بالتي هي أحسن، بعيدا عن التحريض، و الغوغاء، و صبّ الزيت على النار.

محمد فال ولد بَلال

تصفح أيضا...