
قدم الوزير الأول المختار ولد اجاي خلال أقل من ثلاثين شهرا أمام البرلمان الحالي إعلانين عن حكومتين تشتركان في أكثر من نصف الأعضاء.
تشترك الوثيقتان في غالبية فقراتهما، وأحالت الأخيرة للسياسة العامة السابقة. وتختلفان في قضايا أساسية ثلاث.
من الأمور التي اشتركت فيها الوثيقتان، وهذا بديهي على أي حال، أنها تندرج في سياق تنفيذ برنامج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني طموحي للوطن، وإن كانت الوثيقة الأخيرة تميزت بالتصريح بأن «لها مرجعية سياسية واحدة وحصرية، هي الرؤية والمبادئ المؤسسة للمشروع المجتمعي لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني».
كما أنهما اشتركتا في تكرار أسلوب الإعلانات الحكومية التي تكرر مصطلحات كمشجب تعلق عليه كل نقص أو عجز عن التنفيذ مثل (الوضع الدولي الراهن، الوضعية الدولية الراهنة، التوازنات الاقتصادية الكبرى والوضعية الإقليمية ومحيطنا الملتهب..).
ما يهمني هنا ليس المشتركات، فهي طبيعية، بل الفوارق الجوهرية التي لاحظتها. وهي ثلاثة.
أولها طغيان المضامين السياسية في الإعلان الأخير مقارنة بالأول، فقد ظهرت في الأسلوب والمضامين بشكل مباشر وغير مباشر. ومن مظاهرها في الأسلوب شكر الحكومة السابقة فردا فردا، ومنها الدبلوماسية في الأسلوب مع الفرقاء، وانتهاج أسلوب الحرص على الاستيعاب بدل التحدي الذي حصل بعضه في الإعلان الأول. ومنها، وهو أبرزها لأنها تتعلق بالمضامين، مد اليد للمعارضة ودعوتها لاستغلال جو التهدئة.
لكن أبرز وأهم المضامين السياسية تمثلت في الدعوة لمراجعة المأموريات والتي تميزت بأسلوب دعائي تبريري يقوم على اعتبار ما سواها خطرا على التنمية خسر وسيخسر البلد بسببه الكثير «وكم خسر، وسيخسر، عندما يقتصر منطق وأفق السياسيين والنخب والمسيرين في تصور السياسات والاستراتيجيات وإعداد البرامج وتنفيذها، على فترة انتداب أو مأمورية؟ فبمنطق كهذا، سيخسر البلد، للأسف، المستقبل قطعا ولن يضمن الحاضر».
أخطر ما في هذه الفقرة هو حتمية الخسارة إذا ظلت تصورات الساسة مرتبطة بفترات محدودة للانتداب.
هذا الظهور الطاغي للسياسة مهد له الوزير الأول مباشرة بعد تكليف غزواني له للمرة الثانية وقبل تشكيل حكومته، حيث صرح من القصر الرئاسي أن الحكومة ستكون سياسية وكان اختيارها فيما يبدو خادما لمنطق "حتمية الخسارة" لمن يرتبط أفق تصوره بحدود الانتداب أو المأموريات!! فالناطق باسم الحكومة من أوائل، إن لم يكن أول، من طرح فكرة المأموريات، وأبرز الخارجين لبعضهم تحفظات إما منشورة في الإعلام أو تم التصريح بها لبعض الساسة.
الثاني هو الغياب التام لكلمة الإرث الإنساني التي وردت في الإعلان الأول عدة مرات، وفصلت ضرورات حلها حلا عادلا لا ظلم فيه ولا به لأحد، حيث استعيض عنها بفقرة قصيرة تمت صياغتها بأسلوب سياسي فضفاض
«إن أصل الأمر ومنتهاه، بخصوص الهدف المنشود على مستوى هذا المحور، هو ترسيخ وحدة الشعب الموريتاني وتلاحمه وتماسكه، بوصفه شعبًا واحدًا ينصهر كله في وحدة إيمانية وعقدية جامعة، ويوحده التاريخ المشترك، وتجمعه القناعة الراسخة بوحدة المصير وبالمستقبل الواعد».
غابت كلمة الإرث الإنساني والمظالم المرتبطة به بعد أن تكررت في الإعلان الأول. فهل يعني ذلك أن الأزمة تم تجاوزها تماما ولم تعد هناك حاجة لأن يرد الحديث عنها في برنامج الحكومة.
الثالث محاولة الانتقال من البرامج الاستعجالية إلى الرؤى والخطط الاستراتيجية.
كانت برامج الحكومة الاستعجالية محل نقد من بعض الناس بالقول إن الخيارات التنموية تبنى على الرؤى الواضحة المحددة وليس بالاستعجال والارتجال.
وهو ما يبدو أن الحكومة حاولت تداركه بإعلانها عن إعداد رؤية تنموية تحدد الأولويات والخيارات تطبق خلال الثلاثين سنة القادمة. ويبدو أن السنوات الثلاث المقبلة مخصصة لإعدادها وإقرارها، وهو أمر مهم فعلا إذا رافقه استقرار في القرار الإداري. وليس طريق ذلك طبعا فتح المأموريات، بل سبيله الأمثل فصل الإدارة عن السياسة وتحصين صلاحيات الفنيين.

