ما تكشفه بيانات البنك الدولي عن التمويلات الموجهة إلى موريتانيا خلال السنوات السبع الأخيرة يتجاوز، وفق المعطيات التي تستند إليها هذه المقارنة، إجمالي ما حصلت عليه البلاد منذ استقلالها حتى عام 2019.
وتطرح هذه البيانات إشكالا وغصة في الحلق يتجاوزان الحسابات المالية البحتة: إلى أي حد يمكن أن تسهم المديونية والنفقات العامة والعجز في تحديد مسؤولية رئيس الجمهورية وحكوماته عن الخيارات الاقتصادية والمالية الكبرى، باعتبارها من أبرز محددات الحكامة؟ وهل يجوز، في هذا السياق، إغفال القاعدة المعروفة التي تقول إن المسؤولين السياسيين يبدأ الحكم عليهم من اختياراتهم المتعلقة بالميزانية والدين العام؟
إن حجم هذه الديون والتمويلات، التي تقول التقارير الرسمية إنها وُجّهت إلى مشاريع تنموية في قطاعات حيوية، مثل الطاقة والصحة والزراعة والمياه والحماية الاجتماعية، يفرض سؤالًا آخر أكثر إلحاحًا: ماذا تحقق على أرض الواقع؟
فخلال السنوات السبع الماضية، لم نرَ في المحسوس سوى صرخات العطش، وعتمة الظلام، وتقعّر الطرق، وتسرب المياه، وغياب الخدمات الصحية أو تردّيها، فيما تتوالى الأرقام عن التمويلات والقروض والثروات.
وكلما ازداد حجم القروض وعوائد الثروة، ازداد، في المقابل، سيل الأرقام والسيولة الهاربة من جيوب الجياع وصحونهم المنزوعة الدسم، إلى أرصدة وكنوز المترفين؛ شارعٌ باتجاه واحد، يقود إلى ثقب أسود بلا قاع، تحرسه نخبة تتداول رساميل الفساد وتستثمر فيها، من دون رقيب.
هذا الانحدار… أو هذا الفساد… أو هذا الثقب الأسود، لن تتوقف شهيته إلا بفعل استثنائي غير مألوف؛ فعل يكسر القواعد المكرسة، ويمسح من الذاكرة كل ما تراكم فيها من محفوظات وتبريرات، ويوقف هذه الحيرة والذعر اللذين يثيرهما سؤال مدينة أطار : إلى أين نسير؟ «احنَ اشواعدين؟»

