النخيل في آدرار… مرافعة من أجل الإنقاذ/ جمعية نهضة مدينة أطار

ثلاثاء, 11/08/2026 - 16:38

وثيقة صادرة عن جمعية نهضة مدينة أطار بمناسبة النسخة الخامسة من المهرجان الدولي للتمور الموريتانية

 

تثمن جمعية نهضة مدينة أطار تنظيم النسخة الخامسة من المهرجان الدولي للتمور الموريتانية، وترى في هذه المبادرة الحكومية المهمة تعبيرًا عن الاهتمام المتزايد بقطاع النخيل والواحات، وفرصة لجمع المنتجين والخبراء والباحثين والمؤسسات المعنية حول واقع هذا القطاع ومستقبله.
وتقدر الجمعية الشراكة القائمة بين وزارة الزراعة والسيادة الغذائية وجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي، كما تشيد بالدعم الذي تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة لتنظيم المهرجان وتطوير زراعة النخيل وإنتاج التمور في موريتانيا.
وقد حققت دولة الإمارات نجاحات مشهودة في العناية بالنخيل، وتطوير الأصناف، وتحسين الإنتاج والحفظ والتحويل والتسويق، وبناء منظومة علمية واقتصادية متكاملة حول هذه الشجرة. ومن ثم، تتطلع الجمعية إلى توسيع مجالات التعاون والاستفادة من هذه التجربة في تنمية النخيل والمحافظة على الواحات في آدرار وفي مختلف ولايات الوطن.
أطار… مدينة النخيل وذاكرة المهرجان
مهرجان التمور في أطار ليس مجرد تظاهرة زراعية، بل هو عيد للواحات واحتفاء بعلاقة تاريخية بين الإنسان والأرض والنخلة.
فأطار، عاصمة آدرار وإحدى أبرز الحواضر الواحية في موريتانيا، ارتبط تاريخها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بالنخيل. وقد احتضنت سنة 2023 النسخة الثانية من المهرجان، بمشاركة 104 مزارعين من مختلف ولايات الوطن، إلى جانب عدد كبير من الخبراء والباحثين والمختصين.
ومنذ ذلك التاريخ، كبر المهرجان واتسع إشعاعه، وأصبح موعدًا وطنيًا متنقلًا بين المناطق المنتجة للتمور. غير أن أطار ستظل إحدى حواضنه الأولى وذاكرته الواحية الحية.
ومن الوفاء لهذه الذاكرة ألا يقتصر المهرجان على الاحتفاء بالتمور، بل أن يشكل منطلقًا لتحرك وطني يحمي النخلة التي تنتجها، وينقذ الواحات التي تحتضنها.
فالنخلة في آدرار ليست مجرد شجرة مثمرة؛ إنها ظل ومسكن، وماء وعمل، وذاكرة وألفة، ورابطة حية بين الإنسان وأرضه. والدفاع عنها ليس حنينًا إلى الماضي، بل دفاع عن مورد اقتصادي، وتوازن بيئي، وأمن غذائي، وإمكان حقيقي للتنمية والاستقرار.
وإذا كانت جمعية نهضة مدينة أطار قد جعلت من إحياء روح المدينة محورًا لعملها، فإنها تدرك أن أطار لا يمكن أن تستعيد حيويتها من دون إحياء الواحات المحيطة بها. فلا نهضة لأطار من دون نخيلها، ولا مستقبل لواحاتها من دون الماء والعناية والعمل.
باطن آدرار يطلق نداء استغاثة
تميز الجغرافيا المحلية بين باطن آدرار وظهر آدرار؛ وهو تمييز لا يتعلق بالمكان وحده، بل يرتبط بخصائص الواحات ومسارات المياه وأنماط الحياة والإنتاج.
ويعيش نخيل باطن آدرار اليوم وضعًا بالغ الصعوبة، نتيجة تضافر آثار الجفاف وندرة المياه وتراجع الخدمة، فضلًا عن مرض أو آفة أضعفت الأشجار وأدت في بعض المناطق إلى انعدام المنتوج أو تراجعه بصورة مقلقة.
ولا ينبغي النظر إلى ما يحدث في الباطن باعتباره مشكلة محلية معزولة؛ لأن الخطر، إن لم يُشخّص ويُحاصر، قد يمتد، لا قدر الله، إلى الظهر ويهدد جزءًا أساسيًا من الثروة الواحية في الولاية.
إن باطن آدرار يطلق اليوم نداء استغاثة:
أنقذوا نخيل باطن آدرار قبل فوات الأوان.
وتدعو الجمعية إلى تشخيص علمي دقيق للمرض، وتحديد أسبابه ووسائل انتقاله، ووضع برنامج استعجالي لمكافحته ودعم المزارعين المتضررين، مع إنشاء آلية دائمة للرصد والوقاية. فعلاج الآفات بعد انتشارها أكثر صعوبة وكلفة من اكتشافها في بدايتها.
وليست الأمراض وحدها ما يهدد نخيل آدرار؛ فقد اختفى كثير من جمال الواحات تحت وطأة موجات الجفاف، وندرة المياه، وتراجع العناية بالنخيل، وهجرة أصحاب الواحات أو عزوف بعضهم عن خدمتها.
ويقال في المثل الشعبي إن «المال يرحل برحيل أهله». والنخيل، مهما عُرف بقوته وصبره، لا يستطيع البقاء من دون من يسقيه ويلقحه وينظفه ويحميه. فإذا رحل الإنسان عن الواحة، رحلت عنها الحياة شيئًا فشيئًا.
أهل الزرايب… ثقافة عمل ونموذج اقتصادي متكامل
كان لأهل النخيل في آدرار، أو «أهل الزرايب» كما يسمون محليًا، نمط حياة وثقافة عمل خاصة. فقد سكنوا بين النخيل، وارتبطوا به، واستطاعوا بوسائل بسيطة، وبسواعدهم وصبرهم وعملهم المتواصل، أن يحافظوا عقودًا طويلة على حدائق توفر لهم قدرًا معتبرًا من الاستقلال الذاتي.
وكانت الواحات الممتدة على عشرات الكيلومترات من أطار تغذي المدينة وتتغذى منها ضمن نموذج اقتصادي واجتماعي متكامل؛ إذ توفر الواحات التمور والخضروات وجانبًا من حاجات المدينة الغذائية، بينما توفر المدينة للواحات السوق والخدمات ووسائل الاستمرار.
وبذلك كانت الواحات حصنًا غذائيًا للمدينة، وكانت المدينة سندًا لواحاتها. ولم تكن العلاقة بينهما مجرد تبادل للمنتجات، بل كانت وحدة حياة ومصير.
ولا تعني استعادة هذا الترابط العودة إلى الماضي، وإنما الاستفادة من عناصر نموذج محلي أثبت قدرته على الصمود، ويمكن تطويره بالعلم والتقنيات الحديثة ليخدم الأمن الغذائي، ويوفر فرص العمل، ويحد من الهجرة.
الماء مفتاح بقاء الواحات
تظل معضلة المياه في صدارة التحديات التي تواجه النخيل. فلا يمكن الحديث عن إنقاذ الواحات، أو غرس فسائل جديدة، أو توسيع الإنتاج من دون توفير مياه السقي.
وتدعو الجمعية إلى تضافر جهود الدولة والباحثين والمستثمرين والشركاء من أجل تكثيف البحث عن المياه الجوفية، وتقييم مخزونها، واستغلالها بصورة عقلانية ومستدامة، مع اعتماد تقنيات الري الحديثة التي تحد من الهدر وتحفظ حق الأجيال المقبلة.
إن البحث عن مصادر مستدامة لمياه السقي ليس ترفًا ولا مشروعًا قطاعيًا محدودًا؛ بل هو استثمار في بقاء الإنسان على أرضه، وفي الأمن الغذائي والتنمية والاستقرار.
عشرات الأصناف وثروة تستحق الحماية
عُرفت آدرار بتنوع تمورها وجودتها، وتشير المعارف المتوارثة لدى أهل الواحات إلى وجود عشرات الأصناف والعينات المحلية المختلفة في مذاقها وألوانها وأحجامها ومواسم نضجها وقابليتها للحفظ.
ويمثل هذا التنوع ثروة وراثية واقتصادية وثقافية تستحق الجرد والتوثيق والحماية من الاندثار، كما تستحق البحث العلمي من أجل تحسين إنتاجها، والمحافظة على خصائصها، والتعريف بها في الأسواق الوطنية والخارجية.
ومن خصائص بعض تمور آدرار أنها تُجفف بصورة طبيعية، من دون استعمال مواد حافظة، فتبقى صالحة للتخزين والاستهلاك طوال العام، ولا سيما خلال الفترة السابقة لموسم الكيطنة. ومن أشهر صورها المحلية «انفاظه» و«لمفصص».
وتمنح هذه الخصائص الطبيعية تمور آدرار قيمة غذائية وتجارية مهمة، وتفتح أمامها إمكانات حقيقية في مجالات الحفظ والتعبئة والتسويق، إذا أحسن تثمينها والتعريف بها واعتماد معايير الجودة المناسبة.
ومن بين أشهر الأصناف المحلية «لحمر» و«تيجب»، وغيرهما من تمور آدرار التي ارتبطت بأذواق الناس وذاكرتهم، ووجدت طريقها إلى الشعر مثلما وجدت طريقها إلى موائدهم وقلوبهم.
وقد استحضر الأمير المجاهد سيد أحمد ولد عيده أطار وتمورها في قوله:
نحن عند الله راجينْ
أنْجُو لأطار مرجّعينْ
ونصلّو فيه مطوّلينْ
أبعيد من إدماتنْ
وفكنوال مطلّعينْ
لحمر وتيجباتنْ
إن ورود هذه الأصناف في الشعر دليل على مكانتها في وجدان أهل المنطقة، وعلى أن النخيل جزء من هوية آدرار وذاكرتها الثقافية. غير أن الوفاء لهذه الذاكرة لا يكون بالبكاء على ما ضاع منها، وإنما بالعمل على إنقاذ ما بقي وإحياء ما يمكن استعادته.
من «SOS Palmiers» إلى نداء اليوم
ليس نداء إنقاذ النخيل وليد هذه المناسبة. ففي أحد لقاءات تسعينيات القرن الماضي بأطار، دار نقاش حول تدهور الواحات وتراجع زراعة النخيل، واقتُرحت آنذاك تسمية «SOS Palmiers»، أي: «أنقذوا النخيل»، ثم حملت الاسم منظمة غير حكومية أُنشئت بدعم من رجل الأعمال والمصرفي السيد محمد ولد انويكظ.
وبغض النظر عما آلت إليه تلك المنظمة، فإن النداء الذي حملت اسمه ما يزال، بعد أكثر من ثلاثة عقود، محتفظًا بكل راهنيته وإلحاحه.
وإذا كان المهرجان يحتفي بالثمرة، فإن حماية الشجرة التي تنتجها ينبغي أن تكون في صدارة أولوياته؛ لأن الثمرة التي نحتفي بها اليوم لن تكون موجودة غدًا إذا تركنا النخلة تواجه وحدها المرض والعطش والإهمال.
من التوصيات إلى العمل
تأمل جمعية نهضة مدينة أطار أن تتحول هذه النسخة من المهرجان إلى بداية تحرك جاد تتكامل فيه مسؤولية الدولة مع خبرة الباحثين، وتجربة المنتجين، وجهود المنتخبين والمجتمع المدني، ودعم الشركاء.
وتقترح الجمعية أن ينصب هذا التحرك على الأولويات الآتية:
• إجراء مسح ميداني شامل لنخيل باطن آدرار وتشخيص الآفة المنتشرة فيه؛
• إعداد برنامج استعجالي للعلاج والوقاية ودعم أصحاب الواحات المتضررة؛
• تكثيف الدراسات المتعلقة بالمياه الجوفية وتوفير حلول مستدامة للسقي؛
• جرد أصناف التمور المحلية وتوثيقها والمحافظة عليها وتحسين إنتاجها؛
• مساعدة المنتجين على التنظيم والتكوين والحصول على المعدات والخدمات؛
• تطوير وسائل حفظ التمور وتحويلها وتعبئتها وتسويقها؛
• بناء شراكات فنية وعلمية مع الدول والمؤسسات ذات التجارب الناجحة، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة.

رسالة إلى شباب آدرار
إن مستقبل شباب آدرار لا يكمن بالضرورة في الهجرة عن أرضهم؛ بل قد يكون جانب مهم منه في الواحات التي تنتظر عودتهم، وفي النخلة التي سماها العرب «العمة»، والتي تنتظر منهم أن يواصلوا خدمتها كما خدمها آباؤهم وأجدادهم.
وقد ضرب رسول الله ﷺ بالنخلة مثلًا للمسلم في الثبات والعطاء والبركة، فقال:
«إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم»، ثم قال: «هي النخلة».
فالنخلة ثابتة الأصل، دائمة العطاء، كثيرة النفع. ومن الوفاء لها ألا تُترك وحيدة أمام العطش والمرض والإهمال، وألا تنقطع الصلة التي جمعتها بأجيال من أهل هذه الأرض.
إن المطلوب من الشباب أن يتعلقوا بأرضهم، ويتسلحوا بالعلم والتقنيات الحديثة، ويشاركوا في البحث عن الماء، ويعيدوا إلى الجنان المهجورة حياتها. فالأمل ليس دائمًا بعيدًا وراء الحدود؛ بل قد يكون في إحياء الجنان الكامنة تحت الأقدام، وفي تحويل تراث الآباء إلى مشروع عصري منتج يوفر العمل، ويحفظ الكرامة، ويعيد الحياة إلى الواحات.

نداء الجمعية
هذه مرافعة باسم نخيل لا يستطيع أن يتكلم، لكنه يعبّر عن معاناته بجفاف سعفه، وتراجع ثماره، وخلو بعض الواحات التي كانت يومًا عامرة بالحياة.

أنقذوا نخيل باطن آدرار حتى لا ينتقل الخطر إلى ظهرها.
أنقذوا واحات آدرار؛ فهي ليست ملكًا لأصحابها وحدهم، بل جزء من تراث موريتانيا وثروتها ومستقبلها.
أنقذوا النخيل اليوم، قبل أن نضطر غدًا إلى الاكتفاء بصوره وقصائده وذكرياته.

فالخطر قائم، لكنه ليس قدرًا محتومًا. وما يزال في الإمكان إنقاذ الواحات إذا توافرت الإرادة، وتكاتفت الجهود، وتحول التشخيص إلى علاج، والتوصيات إلى برامج، والتضامن إلى عمل ميداني متواصل.
جمعية نهضة مدينة أطار (AREVAT)
أطار – أغسطس 2026

تصفح أيضا...