
في ستينيات القرن الماضي، كانت قريةٌ ريفيةٌ في الشرق الموريتاني كأنها لوحةٌ من طينٍ وتبن، يطلُّ عليها جبلٌ أسطوريٌّ شاهقٌ يرمي بظلاله على البيوت مع ميلان الشمس. جلُّ المنازلِ من طين، وأزقتُها الواسعةُ تملؤها رائحةُ الخريفِ وصوتُ خوارِ الأبقارِ وهي تعودُ إلى عجولها المنتظرةِ أمامَ البيوت. أمامَ كثيرٍ من المنازل، حظائرُ متواضعةٌ زْرَايِب من جذوعِ الأشجار تضمُّ بقراتٍ حلوباً وماعزاً تنتظرُ أياديَ الرجالِ عند المغيب. كان الوقتُ عصراً، والرياحُ تحملُ روائحَ الكسكسِ "أَلْمُرگب" من خلفِ الجدرانِ الطينيةِ، في دفءٍ لا يشبهُ إلا دفءَ تلك القريةِ التي تعيشُ تحتَ ظلِّ جبلٍ صامتٍ كحارسٍ لا ينام.
لكن في أحدِ تلك البيوتِ، حيثُ تسكنُ عائلةٌ عريقةٌ تُعرفُ بالفنِّ والكرمِ، وقعتْ حكايةٌ صارتْ فُكاهةً يتضاحكُ بها أهلُ القريةِ كلَّما ذكروها في مجالسِهم.
أصيب ربُّ تلك الأسرة العريقة بمرضٍ عضال، فحمله جيرانه وزوجته – تلك المرأة الصلبة كصخر الجبل – إلى مستوصف"دِيسْبانسير"القريب. نصحه الطبيب قاطعاً: "تجنَّبِ الدسمَ والدهونَ تماماً، وإلاَّ كان العواقبُ وخيمة".
في تلك القرية، كان الخريفُ موسمَ الولائمِ وَنْگالة التي يقيمها الرجالُ تحتَ الخيامِ أو في ساحاتِ المنازل، يتجمعونَ فيها على موائدَ ممتلئةٍ باللحمِ والكسكسِ" عِين السَّطْه"، ويُنهونَ نهارَهم بلعبِ الورقِ مْرِيَاس وسمرٍ لا ينقطع. لكنَّ زوجةَ ربِّ البيتِ، وهي تعرفُ شهيَّتَه وولعهَ بالدسمِ، حرمتْ عليه الخروجَ إليهم، وأغلقتْ دونه بابَ البيتِ، خوفاً من أن يُغريَه مشهدُ الوليمةِ أو يزلَّ قدمُه مع رفاقِه فيأكلَ ما يضرُّه. كانت تقولُ في نفسِها: "البيتُ أضيقُ عليه، لكنه أكثرُ أماناً من ساحةِ الولائمِ وهوسِ الرجالِ".
عادت الزوجةُ إلى البيت، وجمعت أبناءَها كقائدةٍ تعلنُ الحرب:
"أبوكم محرَّمٌ عليه الدسم و الدهن و خاصة الفستق" گَرْته" – وهو مولعٌ به كالطفل – فمن رأى منه تناولاً فليُسرع إليَّ، والباقي عليَّ".
كان الأبُ يخافُها، والأبناءُ يعرفونَ ذلك.
وفي عصرِ يومٍ، بينما كان الأبُ خلفَ المنزل يُعدُّ الشايَ لصديقٍ قديمٍ زاره، أخرجَ الصديقُ كيسَ فستقٍ "گَرْته" وبسكويتَ" أَمْبسْكِيت سَرّْغلّه" الجافَّ. انهمرت شهيَّةُ الأب، فتناولَ الحباتِ خلسةً، لكنَّ عينَ ابنه الصغيرِ رصدته.
أسرعَ الابنُ نحو أمِّه صارخاً: "يا نَيْنّه .. يا نَيْنّه... الداه لاَهِ يكتل راصو ! شفتُو يوكل گَرْته .. يوكل تِيگاه الحَمْر !"
هرعَ الأبُ وراءَه، لكنَّ الخبرَ سبقه. وقفتِ الزوجةُ كالسيلِ الجارف: "لاه أَتيتم أولادك ؟!"
في لحظةِ ارتباكٍ، التفتَ الأبُ إلى صديقه ثمَّ إليها، وقال بوجهٍ جامد:
"والله! كلُّ حبةِ فستقٍ آكلُها، آكلُ وراءَها خمسَ قطعٍ من أَمْبسْكِيت سَرّْغلّه... تمتصُّ هذهِ البسكويتاتُ كلَّ دسمٍ في الفستقِ، فلا يصلُ إلى جسدي أثرٌ!"
انفجرَ الصديقُ ضاحكاً، بينما وقفَ الابنُ الصغيرُ حائراً: أيبكي على مستقبلِه أم يضحكُ على مبرِّرِ والدهِ السخيف؟
وهكذا، في تلك القريةِ التي تظلُّها الجبالُ وترويها الأمطارُ الخريفيةُ، بقيتِ الحكايةُ تُروى في الأزقةِ الطينيةِ، ليس لأنَّ فيها عبرةً عن الدسمِ والفستقِ فحسب، بل لأنَّ فيها صورةً للإنسانِ حيثما كان: يخطئُ، يُكتشفُ، يخافُ، ثمَّ يبتكرُ من التبريراتِ ما يُضحكُ الصديقَ ويُحيرُ الابنَ، ويُبقي الزوجةَ واقفةً كالجبلِ في وجهِ كلِّ انزلاقٍ.
وتلك الصورةُ نفسُها تنطبقُ اليومَ على واقعٍ آخرَ، حيثُ يُؤكلُ المالُ العامُّ كالفستقِ "گَرْته "في الخفاءِ، ويُبتكرُ لهُ من التبريراتِ ما يُشبهُ "أَمْبسْكِيت سَرّْغلّه "في وظيفتِه: لا ليُزيلَ الدَّسَمَ، بل ليُمتصَّ صرخاتُ الرأيِ العامِّ. فالمزورونَ يلبسونَ الأدويةَ المنتهيةَ أغلفةً جديدةً، ويُبرمونَ صفقاتِ التجهيزاتِ بأسعارٍ خياليةٍ، ثمَّ يرفعونَ تقاريرَ "الجودةِ" المزيَّفةَ أمامَ لجانٍ رقابيةٍ هي الأخرى أشبهُ ب "أَمْبسْكِيت سَرّْغلّه "تمضغُ الملفاتِ ولا تهضمُ الحقائقَ. وإذا رآهم المواطنُ يأكلونَ الفستقَ "گَرْته"، رفعوا أمامَ عينيه ورقَةَ "التصحيحِ الإداريِّ"، فلا عقابَ، بل ترقياتٌ وتقاعدٌ مريحٌ، وكأنَّ الجريمةَ كانت مجرَّدَ سوءِ فهمٍ، وكأنَّ التزويرَ في صفقاتِ التجهيزاتِ ليس إلا خطأً تقنياً يعالجُ بلجانِ المراجعةِ التي تمتصُّ الزمنَ والعقابَ معاً.
وفي هذا السياقِ، تأتي الموالاةُ الحقيقيةُ للرموزِ في فضحِ هؤلاءِ، لا في التغطيةِ عليهم، وفي المطالبةِ بعقابٍ رادعٍ يقطعُ أيديهم قبلَ أنْ تصلَ إلى فستقِ الغدِ أو إلى صفقةِ التجهيزاتِ القادمةِ، لأنَّ خيانةَ الأمانةِ في أسفلِ الهرمِ هي التي تُفسدُ عدالةَ القرارِ في أعلاهُ. ومن يحبُّ وطنَه لا يتركُ الدَّسَمَ يتراكمُ في شرايينِ دولتِه، بل يُطهرُ الطريقَ أمامَ رموزِه من متسلقي المصالحِ والمزوِّرينَ، ويُذكِّرُ المؤسساتِ الرقابيةَ بأنها ليستْ أَمْبسْكِيت سَرّْغلّه التي تمتصُّ الفضائحَ، بل سيوفاً يجبُ أنْ تقطعَ دابرَ الفسادِ قبلَ أنْ يستحيلَ ثقافةً، وقبلَ أنْ تُروى عنَّا حكاياتٌ مثلَ حكايةِ ذلك الأبِ الذي ظنَّ أنَّ أَمْبسْكِيت سَرّْغلّه يمتصُّ الدسمَ، فنالَ جزاءَ خوفِه من زوجتِه ضحكةً من صديقِه وحيرةً من ابنِه، لا عقاباً من رقيبٍ ولا عدلاً من قاضٍ

