بيرام ولد اعبيد يكتب : من أجل موريتانيا قائمة على المساواة في المواطنة

اثنين, 27/07/2026 - 21:37

 

بيان بيرام الداه اعبيد بشأن العريضة الموقعة من 242 شخصية موريتانية

 

اطّلعتُ باهتمام على العريضة التي وقّعتها 242 شخصية موريتانية، والتي تدعو، بشكل خاص، إلى الاعتراف الدستوري بالمكوّن الحراطيني، واعتماد سياسات للتمييز الإيجابي لصالحه.

إن جزءًا كبيرًا من الوقائع التي تعرضها هذه العريضة هو، للأسف، واقع حقيقي. وهي تحيل إلى تاريخ لا تستطيع موريتانيا لا محوه ولا الالتفاف عليه. لقد تركت العبودية آثارًا عميقة في جسد وطننا، كما أن ممارساتها ومخلفاتها وتداعياتها ما تزال تنتج آثارها حتى اليوم. وقد عانى الحراطين من تبعات تاريخ طويل من الاستعباد والتهميش والإقصاء، لا سيما في الوصول إلى الأراضي، وتولي المسؤوليات العامة، والحصول على التمويل والفرص الاقتصادية.

لكن الاعتراف بظلم تاريخي لا يعني حبس المستقبل داخل الهويات التي عانت من هذا الظلم. علينا أن نجبر ضرر التاريخ دون أن نسجن المواطنين في التاريخ. وهنا تكمن المسألة الجوهرية.

لا يمكن لموريتانيا أن تبني مستقبلها من خلال تنظيم الجمهورية باعتبارها مجرد مجموع مكوّنات، يأتي كل منها للمطالبة لدى السلطة بنصيبه من المناصب أو الحصص أو الامتيازات أو الموارد. فمثل هذا التصور من شأنه أن يكرّس، مؤسسيًا، الانقسامات التي ينبغي لنا، تحديدًا، أن نتجاوزها.

إن المساواة لا تعني غض الطرف عن أوجه اللامساواة الحقيقية، بل تفرض، على العكس، على الدولة محاربتها. ولذلك لا بد من سياسات عمومية حازمة، محددة الأهداف، شفافة وقابلة للتقييم، لصالح السكان والمناطق التي تتركز فيها مظاهر الفقر والإقصاء والاختلالات الموروثة عن التاريخ. وحيث إن الحراطين هم أول ضحايا هذه الاختلالات، فمن الطبيعي أن يكونوا من أوائل المستفيدين من هذه السياسات. فالأمر لا يتعلق بامتياز ولا بمنّة، بل بجبر ظلم تاريخي وتحقيق مساواة فعلية لا يمكن أن تبقى مجرد مبدأ نظري.

غير أن هذا المطلب لا يمكن اختزاله في مكوّن واحد من شعبنا. فالفقر والبطالة والإقصاء وعدم المساواة في الفرص واحتكار الموارد العمومية والتعسف الإداري والتهميش الترابي تطال كذلك مواطنين موريتانيين من المكوّنات العربية والإفريقية الزنجية، كما تطال النساء والشباب المحرومين من الآفاق وسكانًا بأكملهم تُركوا خارج مسار التنمية. فالعدالة الاجتماعية لا ينبغي أن يكون لها لون مجتمعي، بل يجب أن يكون لها وجه وطني.

وتنطبق هذه الضرورة المتعلقة بالعدالة كذلك على الإرث الإنساني الثقيل الذي خلّف جرحًا عميقًا في صفوف المكوّن الإفريقي الزنجي في موريتانيا. فالترحيل والعنف والانتهاكات والخسائر البشرية والمادية التي تعرّض لها آلاف من مواطنينا تمثل جرحًا وطنيًا لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه. وتقتضي المصالحة الحقيقية الاعتراف بكل مظالم تاريخنا، وضمان العدالة للضحايا وعائلاتهم، وتهيئة الظروف التي تمنع تكرار مثل هذه المآسي.

ولهذا، فإن مكافحة المظالم التاريخية يجب أن تندرج ضمن نضال أوسع من أجل المساواة بين جميع الموريتانيين. فمعاناة مكوّن لا تنتقص من معاناة المكوّنات الأخرى. والمظالم لا تتنافس فيما بينها، بل تُحارب جميعها. ولا ينبغي للعدالة أن تتحول إلى منافسة بين المكوّنات.

ومن هذا المنظور، ينبغي النظر في مقترح التمييز الإيجابي القائم على الانتماء المجتمعي. فهناك فرق جوهري بين سياسات عمومية تهدف إلى تصحيح اختلالات مثبتة موضوعيًا، وبين نظام مؤسسي ينظّم بشكل دائم توزيع وظائف الدولة ومواردها بين المكوّنات. **فدولة القانون لا يمكن أن تقوم على محاصصة مجتمعية للمسؤوليات العامة.

إن الولوج إلى الوظيفة العمومية والقضاء والقوات المسلحة وقوات الأمن والدبلوماسية ومختلف مسؤوليات الدولة يجب أن يكون مضمونًا بالقانون والكفاءة والاستحقاق وآليات شفافة لمكافحة التمييز. ولا يمكن أن يصبح نتيجة تفاوض دائم بين المكوّنات لتحديد حصة كل منها داخل جهاز الدولة. فالجمهورية لا يمكن أن تطلب من كل مواطن أن يقدم نفسه أولًا باعتباره ممثلًا لمجموعته حتى يحصل على حقوقه. فالدولة يجب أن تعترف بالمواطنين، لا أن توزّع المواطنين بين المكوّنات.

وهذا هو الفرق بين سياسة تصحيح الاختلالات وبين تنظيم السلطة على أساس مجتمعي. فالأولى تسعى إلى تحقيق المساواة الفعلية، بينما قد تؤدي الثانية إلى تكريس الفئات نفسها التي ينبغي لنا أن نتحرر منها تدريجيًا. لذلك يجب أن يكون هدفنا جعل الدولة ضامنة لحقوق كل مواطن، لا حكمًا في تقاسم المناصب والموارد والمسؤوليات بين المكوّنات. علينا أن نعالج التمييز دون أن نكرّس مؤسسيًا الانقسام بين المواطنين.

يجب على الجمهورية أن تعترف بجراح تاريخها، وأن تصحح الاختلالات التي أنتجتها، وأن تضمن مساواة حقيقية. لكنها يجب أيضًا أن تتيح لكل مواطن أن يتطلع إلى مستقبل لا تحدده أصوله إلى الأبد.

ولسنوات طويلة، حُصرت قضية الحراطين في قراءة مجتمعية للنقاش السياسي، وكأن مكافحة العبودية ومخلفاتها هي معركة خاصة بمكوّن ضد الآخرين. والحقيقة أنه يجب الخروج من هذا المنطق. فالحراطين لا يحتاجون إلى حصرهم في هويتهم حتى يُعترف بتاريخهم. إنهم يحتاجون إلى ضمان حقوقهم، وجبر المظالم التي تعرضوا لها فعليًا، وتمكين أبنائهم من الوصول إلى الفرص نفسها التي يحصل عليها جميع المواطنين. كما أن المكوّنات الأخرى للأمة لا ينبغي أن تخشى أن يتحول إنصاف الحراطين إلى ظلم بحقها. فالعدالة يجب أن تكون قوة توحيد، لا موضوع تنافس.

إن موريتانيا لا تحتاج إلى مواطنين يعرّفون أنفسهم أولًا من خلال نصيب جماعتهم من الدولة، بل تحتاج إلى مواطنين يشعرون بانتمائهم إلى دولة واحدة، يخضعون للقوانين نفسها، ويحظون بالحقوق نفسها، ويتمتعون بالضمانات نفسها. فالمساواة لا تعني القول إننا جميعًا عشنا التاريخ نفسه، بل تعني جعل هذا التاريخ لا يحدد بعد اليوم حقوق أبنائنا وفرصهم.

وهذا هو المبدأ الذي يجب أن يوجّه عملنا. يجب أن تستمر مكافحة العبودية ومخلفاتها، وأن يُعترف بالمظالم التاريخية ويتم جبرها، وأن تعمل السياسات العمومية على تصحيح الاختلالات الناتجة عنها. لكن هذا الجبر يجب أن يسهم في بناء مواطنة مشتركة، لا في تجميد الانتماءات أكثر. فلا ينبغي التفكير في تحرر الحراطين ضد تحرر بقية الموريتانيين، بل يجب أن يكون جزءًا منه وقوة دافعة له.

وهكذا يمكن لقضية العدالة أن تصبح قضية وطنية. وهكذا يمكن للاعتراف بتاريخنا أن يصبح نقطة انطلاق نحو مستقبل مشترك. وهكذا تستطيع موريتانيا الانتقال من مجرد تعايش بين المكوّنات إلى مجتمع حقيقي من المواطنين. موريتانيا التي تُعترف فيها بجراح التاريخ وتُجبر، وتُكافح فيها المظالم دون تمييز، ولا يُحبس فيها أي مواطن داخل أصله أو انتمائه. موريتانيا التي يستطيع فيها كل فرد أن يقول ببساطة: «موريتانيا هي هويتي».

بيرام الداه اعبيد
نواكشوط، 27 يوليو 2026

تصفح أيضا...