دحان ولد الطالب عثمان يكتب: « أكوا باور » و«إيوا»: مشروعان استراتيجيان للنهوض بقطاع الطاقة في موريتانيا ودعم التنمية 

أحد, 05/07/2026 - 14:13

دخلت موريتانيا مرحلة جديدة في مسار تحول قطاعها الكهربائي، مع إطلاق مشروعين كبيرين تتولى تطويرهما، على التوالي، شركة «أكوا باور» وشركة «استثمار غرب أفريقيا» (IWA)، من خلال فرعها «استثمار الطاقة الخضراء». ويتم انجاز المشروعين وفق نموذج المنتج المستقل للكهرباء (IPP)، في إطار شراكتين بين القطاعين العام والخاص، ومن المنتظر أن يحدثا تحولا عميقا في بنية الإنتاج الكهربائي الوطني، وأن يسهما بصورة مستدامة في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
ولا مثيل لهذين المشروعين في موريتانيا من حيث الحجم والقدرة الإنتاجية والكلفة ونمط التمويل. فهما يضيفان معا قدرة إنتاجية جديدة تناهز 450 ميغاوات، أي ما يعادل تقريبا إجمالي القدرة الكهربائية المركبة في البلاد، المقدرة بنحو 450 ميغاوات سنة 2025، فضلا عن استثمارات تقارب مليار دولار، سيتولى القطاع الخاص تمويل الجزء الأكبر منها.
ويشكل هذا النمط من التمويل، في حد ذاته، مؤشرا بالغ الدلالة على جاذبية البلد الاستثمارية، إذ إن تعبئة رؤوس أموال خاصة طويلة الأجل تعكس ثقة المستثمرين في الدولة الموريتانية، واستقرار مؤسساتها، وآفاق اقتصادها، وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها التعاقدية. ومن شأن ترسيخ هذه الثقة أن يشجع مستثمرين آخرين على الانخراط في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة.
ويتعلق المشروع الذي تطوره «أكوا باور» بإنشاء محطة كهربائية تعمل بالغاز الطبيعي بتقنية الدورة المركبة في منطقة اندياغو، بقدرة تصل إلى 230 ميغاوات. وتقدر كلفتها الاستثمارية بنحو 669 مليون دولار، وستنجز في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، وبموجب اتفاقية لتحويل وبيع الطاقة مع الشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك»، تمتد طيلة 25 سنة ابتداء من تاريخ دخول المنشآت في الخدمة.
وستزود المحطة بالغاز المستخرج من حقل «السلحفاة الكبرى آحميم» (GTA)، بما يتيح إنتاجا كهربائيا قابلا للتحكم والتوجيه، ومتوفرا على نحو مستمر، ويقلص الاعتماد على الوقود السائل المستورد.
ويضاف إلى ذلك، من جانب آخر، مشروع «باندا–تيفيت» المتكامل لتحويل الغاز إلى كهرباء (Gas-to-Power)، الذي ستطوره شركة «غو غاز» (GoGas) ويستهدف استغلال الغاز الوطني لتغذية قدرات التوليد في نواكشوط، بما في ذلك تحويل المحطة المزدوجة الحالية إلى الغاز وتطوير قدرات غازية جديدة، وهو ما يجعله مكملا معززا للمنظومة الجديدة.
أما المشروع الثاني، الذي تنفذه شركة «استثمار غرب أفريقيا» (IWA) عبر فرعها «استثمار الطاقة الخضراء»، فيتمثل في إنشاء محطة هجينة بقدرة إجمالية تبلغ 220 ميغاوات، تجمع بين 160 ميغاوات من الطاقة الشمسية و60 ميغاوات من طاقة الرياح، وتدعمها منظومة لتخزين الكهرباء بالبطاريات بسعة 370 ميغاوات ساعة.
وتقدر كلفة هذا الاستثمار بنحو 300 مليون دولار، ممولة بالكامل من القطاع الخاص. سيعتمد المشروع مقدرات طبيعية تزخر بها البلاد: أشعة الشمس المتوفرة خلال معظم أيام السنة، والرياح المنتظمة، ولا سيما على امتداد الواجهة الأطلسية للبلاد.
يعد التكامل بين المشروعين إحدى أبرز نقاط قوتهما. فمحطة الغاز التابعة لـ«أكوا باور» ستوفر إنتاجا كهربائيا قابلا للضبط والتوجيه ومستقرا نسبيا، في حين ستنتج محطة «إيوا» كهرباء متجددة من الشمس والرياح، مدعومة بمنظومة كبيرة للتخزين.
وسيساهم الغاز في دعم استقرار المنظومة الكهربائية، بينما تساعد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات على تقليص استهلاك المحروقات المستوردة والحد من البصمة الكربونية لإنتاج الكهرباء.
ومن شأن هذا المزيج أن يعزز بصورة كبيرة السيادة الطاقوية لموريتانيا. فقد ظلت المنظومة الكهربائية الوطنية، على مدى عقود، معرضة لتقلبات الأسعار العالمية للفيول والمازوت، وصعوبات التموين، وارتفاع كلفة نقل المحروقات. وقد فرضت هذه العوامل ضغوطا كبيرة على الشركة الموريتانية للكهرباء، وأثقلت توازناتها المالية، ما استدعى دعما متواصلا من الخزينة العامة لضمان استمرارية الحد الأدنى من الخدمة، رغم الاستثمارات المهمة التي أنجزتها الدولة.
وسيسمح استغلال الغاز والرياح والشمس كمصادر وطنية للطاقة بتقليص هذا الارتهان للخارج، وتحسين القدرة على التحكم في تكاليف الإنتاج.
وعلى المدى المتوسط والبعيد، سيتيح انخفاض كلفة الإنتاج، إذا اقترن بتحسين كفاءة الشبكة وتقليص الفاقد، المجال لمراجعة تعرفة الكهرباء لصالح المستهلكين. ومن شأن توفير كهرباء أكثر موثوقية وأيسر كلفة أن يحسن مباشرة ظروف السكان المعيشية، يقلص نفقات الطاقة لدى الأسر، ويسهل تطوير الخدمات الأساسية، ولا سيما التزويد بالمياه والصحة والتعليم وحفظ المواد الغذائية والأنشطة الحرفية.
أما بالنسبة إلى الصناعة، فإن الرهان أكبر وأكثر حسما، إذ تمثل الطاقة نسبة مهمة، بل حاسمة أحيانا، من تكاليف الإنتاج في قطاعات المعادن والحديد والصلب والإسمنت والتبريد الصناعي والصيد البحري والصناعات الغذائية وتحلية المياه. وقد تبلغ هذه النسبة مستويات مرتفعة جدا في بعض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
ومن شأن توفير كهرباء مستقرة وتنافسية أن يقلص تكاليف تحويل المواد الأولية الموريتانية، ويعزز تنافسية المؤسسات المحلية، ويستقطب مستثمرين جدد.
وبدلا من الاقتصار أساسا على تصدير الموارد في صورتها الخام، سيتسنى لموريتانيا تطوير مزيد من أنشطة التحويل والتصنيع في القطاعات المعدنية والسمكية والزراعية، بما يخلق قيمة مضافة وطنية أكبر كما سيساهم هذا التصنيع في توفير فرص عمل مؤهلة، والحد من البطالة، وتوسيع القاعدة الإنتاجية الوطنية.
غير أن الاستثمارات في إنتاج الكهرباء ينبغي أن تتزامن مع توسعة سريعة لمنشآت النقل والتوزيع وتعزيزها. فزيادة القدرة الإنتاجية لا تحقق أثرها الكامل ما لم تكن الشبكة قادرة على إيصال الكهرباء إلى مراكز الاستهلاك بالجودة والاستمرارية المطلوبة.
ويتجلى من خلال المشاريع المعلنة إلى أن السلطات العمومية أخذت هذا المتطلب في الاعتبار ففي هذا السياق، يمثل الإنشاء التدريجي لشبكة وطنية لنقل الكهرباء ذات الجهد العالي الركيزة الثانية لتحول القطاع.
وفي هذا الإطار، يشكل مشروع خط الجهد العالي 225 كيلوفولت بين نواكشوط والنعمة، المصحوب بعدد من محطات التحويل وبرامج كهربة التجمعات الواقعة على امتداد مساره، مكملا لمحوري نواكشوط–نواذيبو ونواكشوط–كرمسين. ويضاف إلى ذلك خط نواكشوط–ازويرات مرورا باكجزجت وأطار، المقرر استكماله سنة 2026، وكذلك المكونات الموريتانية من شبكة منظمة استثمار نهر السنغال، المرتبطة بنواكشوط عبر الولايات الواقعة على الضفة.
وسيسمح الإنشاء التدريجي لمنظومة كهربائية وطنية مرتبطة حقيقية بالحد من الاعتماد على المحطات الحرارية الصغيرة والمعزولة، التي تتسم بارتفاع كلفتها وتلويثها للبيئة وضعف موثوقيتها.
ومن شأن مشروعي «أكوا باور» و«إيوا»، إلى جانب حصة موريتانيا من إنتاج المنشآت الكهرومائية التابعة لمنظمة استثمار نهر السنغال، وقدرات محطات الطاقة المتجددة القائمة، مثل محطة بولنوار لطاقة الرياح، أن يتيح للبلاد تقليص الاعتماد بصورة كبيرة على المحطات العاملة بالفيول والمازوت المستوردين، وربما الاستغناء تدريجيا عن معظمها في التشغيل الاعتيادي، مع الإبقاء على ما يلزم من قدرات احتياطية. غير أن الطلب على الكهرباء يشهد نموا مستمرا، ولا سيما في الاقتصادات الصاعدة، وهو ما يقتضي مواصلة الاستثمار في الإنتاج والنقل والتوزيع لمواكبة هذا النمو.
كما ستسهل هذه المنظومة تبادل الكهرباء بين مختلف مناطق البلاد، وإدماج محطات الطاقة المتجددة، وتعزيز أمن الإمدادات الكهربائية.
وعليه، ينبغي ألا ينظر إلى مشروعي «أكوا باور» و«إيوا» باعتبارهما مجرد محطتين إضافيتين لإنتاج الكهرباء، بل بوصفهما نقطة انطلاق لسياسة اقتصادية جديدة تقوم على تثمين الموارد الوطنية، وتعبئة رؤوس الأموال الخاصة، وتحديث الشبكة الكهربائية، وتطوير الصناعة.
غير أن نجاحهما سيظل مرهونا بشفافية العقود، وضبط الالتزامات المالية المترتبة على الدولة، واحترام آجال التنفيذ، وجودة المنشآت، وتعزيز الكفاءات الوطنية، وقدرة الشركة الموريتانية للكهرباء على استيعاب الكميات الجديدة من الطاقة وتوزيعها بكفاءة.
وإذا توافرت هذه الشروط واستمر الالتزام بها طوال مراحل التنفيذ، فستتمكن موريتانيا من تحويل مقدراتها الطبيعية، المتمثلة في الغاز والشمس والرياح، إلى رافعة حقيقية للسيادة والازدهار والتقدم الاقتصادي والاجتماعي.
وعندئذ لن تظل الطاقة مجرد خدمة عمومية لا غنى عنها فحسب، بل ستصبح أحد المحركات الرئيسية للتصنيع والاستثمار وخلق الثروة في البلاد.
دحان ولد الطالب عثمان

تصفح أيضا...