
من يقرأ الرسالة المتداولة والمنسوبة للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز سيدرك دون عناء كيف تحول الرئيس السابق إلى أداة سياسية غايتها إبقاء جماعة لا تتخطى أصباع اليد الواحدة داخل المشهد السياسي.
فالرسالة، من حيث البناء والأسلوب، لا تنتمي لقاموس الرئيس السابق المعتاد ، بل نص صيغ لإنتاج أثر تعبوي محدد. فكثافة الاستشهادات الدينية، واللغة الأدبية الحانية ، وطريقة مخاطبة رئيس الجمهورية، كلها عناصر وظفت لبناء سردية سياسية بعيدة كل البعد المحاججة القانونية والمنطقية حتى.
من الوهلة الأولى والشعب الموريتاني يدرك بأن عصبة من أهل السياسة وجدت ملاذا أخيرا ووحيدا في الرئيس السابق وقضيته القضائية .
لا تقدم هذه العصبة خطابا سياسيا ولا برنامجا ولا تروج لأية مبادئ أو توجهات ولم تتجه يوما صوب بناء قواعد شعبية. وهذه عوامل كافية لكشف الغاية من تحلقها حول قضية عزيز.
فالقضية بالنسبة لهم هي الركوب وحين تنتهي قضائيا ستنتهي معها العصبة سياسيا.
فعزيز بالنسبة لهؤلاء ليس محور اهتمام وإنما ملفه القضائي هو أكسير البقاء . و مادة للاستثمار السياسي والإعلامي.
في الرسالة، تبدو اللغة موجهة إلى الرأي العام أكثر من توجيهها إلى السلطة. وهذا ليس تفصيلاً عابرا، لأن الفرق كبير بين خطاب يسعى إلى تثبيت موقف قانوني، وخطاب يهدف إلى تعبئة المزاج الشعبي عبر تصوير القضية باعتبارها معركة أخلاقية بين "مظلومين" و"متنفذين".
فالرئيس السابق الذي ظل حريصا على بناء صورته على القوة والقدرة على التحكم بالمشهد، تقدمه العصبة السياسية للرأي العام باعتباره مجرد ضحية عاجزة تنتظر الإنصاف بل و تستجديه .
لقد بدا واضحاً، خلال السنوات الأخيرة، أن العصبة السياسية المحيطة بالرئيس السابق لم يعودوا يتحركون دفاعاً عنه وإنما دفاعاً عن حضورهم هم. فكلما بقيت الأزمة مشتعلة، بقي لهم موقع داخل النقاش العام، وبقيت أسماؤهم متداولة باعتبارهم "حراس القضية". ولذلك فإن استمرار التوتر السياسي والإعلامي يشكل بالنسبة لبعضهم ضرورة وجود، لا مجرد حدث عابر .
ومن هنا يمكن فهم طبيعة الرسائل التي تُدفع إلى التداول بين الحين والآخر. فهي لا تُكتب للتعبير عن موقف، بل للحفاظ على حالة الاستقطاب، وليس لإبقاء رجل في قلب معركة سياسية مفتوحة وإنما لبقائه حيث هو كمادة للاستغلال السياسي ، حتى وإن كان الثمن هو إعادة تشكيل صورته بطريقة يكرهها هو نفسه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شخصية سياسية هو أن تفقد السيطرة على الطريقة التي تُقدَّم بها للناس. فحين يبدأ الآخرون في صياغة صورتك، واختيار نبرتك، وتحديد نوع المعركة التي تخوضها، تصبح تدريجياً جزءاً من مشروع نفعي لا يهتم لمصيرك وإنما لقضيتك كوقود.
ولهذا فإن القضية، في جوهرها، ليست قضية رسالة فقط، بل قضية توظيف سياسي كامل لشخصية الرئيس السابق. فهناك فارق بين من يدافع عن رجل، ومن يستخدم الرجل نفسه كوسيلة لإعادة التموضع داخل المشهد السياسي.
لقد فضحت عائلة الرئيس السابق كل النفعيين حوله وأكدت استغلالهم لقضيته ودعتهم للابتعاد عنه أكثر من مرة.
في الختام، اريد أن أشير إلى أنه من الصعب التعامل مع الرسالة بوصفها تعبيراً شخصياً كُتب من داخل السجن.
فالنص، من حيث الصياغة والإخراج وطريقة وتوقيت الدفع به إلى التداول، يحمل ملامح عمل سياسي وإعلامي متكامل جرى ترتيبه خارج أسوار السجن. وهذا ما يؤكد أن الرجل أصبح موضوعاً لإدارة سياسية يتولاها آخرون، يكتبون باسمه أحياناً، ويوجهون صورته في المجال العام وفق ما يخدم معاركهم هم أكثر مما يخدمه هو.

