
في سبعينيات القرن الماضي، في بلد عربي، كان تاجر كبير يستورد الشاي الأحمر. غير أنه كان يغش، إذ كان يضيف نشارة الخشب إلى الشاي، ثم ينزله إلى السوق. اشتراه الناس على مدار عقود، ولم يلحظوا شيئًا. اعتادوا الطعم، وازدهرت تجارته.
بعد عشرين سنة أو أكثر، جفت الغابات وندر الخشب، وتطور الإنتاج الزراعي فأصبح الشاي الصافي النقي أقل سعرًا من الخليط الممزوج بالخشب. هنا قرر التاجر أن يتوب، وأن ينزل إلى الأسواق بشاي خالص لا شائبة فيه. لكنه فوجئ بالرفض. تزاحمت شكاوى المواطنين على حماية المستهلك، وأخذت الجهات الرسمية عينات وفحصتها، فجاءت النتائج لتؤكد أن الشاي صافٍ من الدرجة الأولى. غير أن الذوق العام كان قد أدمن النجارة.
في المحكمة، اعترف التاجر بغشه القديم، وتحدث عن توبته وعمرته ومساجده وأعمال الخير. لكن القاضي التفت إلى ما هو أعمق من مجرد الغش التجاري، فقال: «أنت لم تغش فقط في الشاي، لقد أفسدت ذوق المجتمع ذاته».
اليوم، لم تعد القصة عن الشاي، بل عن كل ما درّبونا عليه حتى فسد ذوقنا.
فاليوم، الأغاني صارت هابطة مسيئة، تعودنا فيها السب والشتم، حتى باتت أغنية تمس من علت مكانته مجرد نكتة يتناقلها السفهاء، دون أن يحرك أحد ساكنًا.
وفي المهرجانات، صارت الطقوس الهابطة هي السائدة، يُضخ فيها المال العام بملايين، ويرتادها من لا يعرف معنى الثقافة، بينما مدن بأكملها تئن تحت وطأة غياب أبسط مقومات الحياة، ومسؤولوها يتبارون في الإنفاق على الصخب، عاجزين عن توفير اساسيات الحياة .
وفي الأدوية، روّجوا للمسكنات الوهمية والأدوية المغشوشة، حتى صار الدواء الحقيقي مكذوبًا ومشبوهًا.
وفي الأغذية، ملؤوا الأسواق بالبدائل المهترئة، حتى صارت المواد الغذائية الأساسية الطبيعية لها نكهة غريبة لا يرغب فيها الذوق المعتاد على المواد المصنعة.
وفي الأقمشة، غزت الخامات الرديئة الأسواق، حتى صارت المادة الطبيعية النقية تبدو باهظة أو غير مألوفة.
وفي الإعلام، قدّموا الخطاب الجاهز عقودًا، حتى صار النقاش الحر غريبًا على المشاهد.
وعلى منصات التواصل، غزاها المدونون الهابطون يملؤونها بالتفاهة، بينما النخبة الناصحة النقية لا تجد منابر لها، فصارت الحكمة غريبة في زمن صار فيه الصخب هو البضاعة الرائجة.
وفي المستوى الأرفع، مستوى الانتخابات التشريعية والمجالس النيابية، درّبوا الناخب على النجارة باسم البرامج والوعود، حتى إذا جاء من يقدم الصافي، رفضته ذائقة اعتادت الاصطناع. بل إن المال الفاسد وجد طريقه إلى دهاليز القرار، فاشترى الذمم، وصار من بعض المشرعين من لا يميز بين الشاي والخشب.
فأصبح السؤال المحرج أمام قضاء الرأي العام:
هل نحاكم من أفسد الذوق؟ أم أن الذوق نفسه صار خارج المحاكمة؟

