
لم أكن يوما مهتما بالشكل السياسي لأداء الأنظمة (كل الأنظمة) ، وذلك لسببين ..
الأول هو قدرة الساسة على صياغة الشكل المثالي والمفعم للخطاب السياسي من ناحية وسهولة انخداع الناس تحت طائلة ودافع الأمل المنتظر من ناحية أخرى .
والسبب الثاني هو أن غالبية الناس يعتقدون بأن المنجز المادي هو جوهر وحقيقة الالتزام الحكومي .
و لهذين الاعتبارين أهمية بالغة عندما ندرك خطورة استخدام الدولة وأجهزتها وثروتها كأدوات للمراضاة أو الدعاية السياسيين .
هناك من يعبر بطريقته الخاصة عن الأداء الفعال للرئيس الصامت .
وهناك من يعبر بطريقة أخرى عن ضعف الإعلام الرسمي في مواكبة المنجزات .
وهناك من يعتقد بأن لا شيء أنجز أصلا .
بين هذا وذاك غابت حقيقة مرحلة من الأداء هي الأهم -حسب اعتقادي - في تاريخ البلاد (وليس هذا بالطبع تقليلا من شأن المراحل السابقة ) لكن ما تميز به نظام الرئيس غزواني هو مسؤولية الأداء أو الأداء المسؤول للنظام .
فكلما زات وطأة الإحساس بالمسؤولية كلما تضاءل التوظيف السياسي للدولة .
فمن خلال التمعن في تاريخ مسارنا التنموي يمكن أن ندرك بوضوح أن التوظيف السياسي للدولة كان هو البيئة الخصبة التي نشأ فيها الفساد وساد وأنتج مبرراته ضمن قيمنا الأخلاقية .
بل وشكل هذا التوظيف حصانة معلنة للمفسدين ضمن النطاق الاجتماعي المستهدف بالمراضاة السياسية .
فقبل عقدين على سبيل المثال كان مستساغا ومتفهما وشائعا أن من مهام المسؤول السامي أن يكون فاسدا مقابل أن يصنع حظوة سياسية قادرة على حشد وإسكات محيطه السياسي إضافة إلى مهمة الهيمنة من خلال النفوذ .
كانت الدولة مسخرة للسياسة وبالتالي لم نستطع مجاراة طموحنا في بناء وعي استراتيجي ولا إنجاز مشاريع استراتيجية ، فالثروة الوطنية كانت تسخر أفقيا في المراضاة السياسية .
ونتج عن هذا أن جل المال الفاسد كان يتكدس في جيوب النافذين ويتوجه نزر يسير منه لمراضاة الأهالي في القرى والحواضر (اگرياج ، صونداج ، ألواح طاقة ، معدات زراعية رخيصة .. الخ )
لقد كان هلع الدولة سببا رئيسيا في ارتهانها للسياسة .
ماذا فعل غزواني حيال هذا الوضع ؟
منذ تولي الرئيس غزواني للحكم بدأ مشروع "سياسة الدولة " يحل محل " دولة السياسة " .
وكان المشروع الأبرز والأكثر أهمية في هذا الصدد هو توجيه الثروة للمحرومين والمهمشين .
فمع الوقت وجدنا أن أكثر من ثلث الشعب الموريتاني دخل في دورة الاقتصاد الوطني من خلال تحسن نوعي وملحوظ ومباشر في نوعية وجودة حياته .
أكثر من مليون ونصف مواطن استفادوا بشكل مباشر من برامج الصحة والدعم المالي والمدارس والنقاط الصحية والسدود والآبار والكهربة ، كمستهدفين ضمن خطة استعجالية حاصة وموجهة للطبقات الهشة تحديدا .. (برامج تآزر والمشاريع المواوية لها ) .
وما ميز هذا الأداء هو أنه لم ينجز عن طريق الوسيط السياسي كما كان معهودا .
فلا منة لوجيه قبلي ولا نافذ سياسي أو مالي في إيصال الخدمات والمعونات لتلك الفئة التي ظلت محرومة حتى من "دولة السياسة" .
لقد حل الامتنان للدولة محل الامتنان لوسطاء السياسة ، وحل مفهوم القناعة بالسياسة الوطنية العامة محل الخضوع للسياسة المحلية الخاصة .
لقد تمت العناية بالترميم وإعادة التأهيل بالتزامن مع البناء والتشييد .
وتمت محاربة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة دون إحداث فوضى استعراضية كالتي اعتدناها خلال كل بواكير المراحل السياسية .
إن أهم مشروع دشنه الرئيس غزواني هو مشروع " سياسة الدولة " وأهم مشروع واجهه ويوشك أن يقضي عليه هو "دولة السياسة " .
وأعتقد أن توجها كهذا هو وحده ما يمكن أن نسميه "مشروع التأسيس " .
... يتبع
محمد افو