حكومة «التضحية بالأسماء الكبيرة»../ عبدالرحمن المقري 

أحد, 11/10/2026 - 15:07

بعد إعلان الوزير الأول المختار ولد اجاي استقالة الحكومة، واستقباله من طرف الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بدا واضحا أن الرجل مرشح للاستمرار في منصبه، وهو ما تأكد لاحقا بإعادة تكليفه بتشكيل حكومة جديدة.

لكن مع بدء المشاورات السرية جدا، أخذت تتضح ملامح أوسع من مجرد تغيير حكومي فرضته تداعيات التحقيق في حرائق محطتي الكهرباء بنواكشوط. فالمؤشرات -خاصة ساعات الانتظار الطويلة- أوحت بأن الأمر قد يكون جزءا من خطة رئاسية أُعدت منذ أشهر، تراعي حسابات المستقبل، وتستهدف الاستغناء عن بعض الأسماء النافذة، والاستعانة بفريق جديد، إلى جانب إعادة توظيف بعض الوجوه القديمة التي تجيد أداء أدوار محددة.

وهكذا جاءت الحكومة الجديدة مفاجئة في بعض اختياراتها، وكأنها حكومة «التضحية بالأسماء الكبيرة» لصالح ترتيبات سياسية وإدارية جديدة؛ إذ خرج من تشكيلتها عدد من أركان النظام، في مقابل إتاحة مساحة أوسع للوزير الأول لإدارة دفة العمل الحكومي، وتوسيع نفوذه داخل مفاصل القرار، خصوصا في الوزارات الحيوية، مثل الاقتصاد والتنمية الطاقك والنفط وغيرها.

ويمكن قراءة هذه التغييرات من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:

أولا: إعادة ترتيب بيت الحكم

 

يتعلق البعد الأول بحسابات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وترتيباته للمستقبل؛ فإبعاد عدد من الوزراء النافذين قد لا يعني بالضرورة إخراجهم نهائيا من دائرة القرار، بقدر ما قد يكون تمهيدا لإسناد أدوار أخرى إليهم، أو إعادة توزيع مراكز النفوذ داخل النظام.

وفي هذا السياق، تكتسب التغييرات في وزارتي الدفاع والداخلية أهمية خاصة؛ فالأولى ترتبط بإدارة العلاقة مع المؤسسة العسكرية، والثانية تتصل بالتوازنات السياسية والأمنية، وبكيفية التعامل مع المعارضة، خصوصا في ظل ما قد تحمله المرحلة المقبلة من استحقاقات وتجاذبات.

 

ثانيا: توسيع صلاحيات الوزير الأول

 

يتعلق البعد الثاني بتعزيز موقع رجل الدولة الصاعد المختار ولد اجاي داخل السلطة التنفيذية، ومنحه مساحة أوسع لتنسيق العمل الحكومي وإدارة الملفات الاقتصادية والخدمية.

ويظهر ذلك من خلال الإبقاء على بعض الوزراء الذين يُنظر إليهم باعتبارهم أقرب إلى الوزير الأول، مقابل خروج أسماء أخرى كانت تتمتع بنفوذ داخل الحكومة. كما أن التغييرات في الوزارات الحيوية قد تمنحه قدرة أكبر على توحيد القرار الحكومي، وتقليص مراكز التأثير التي يمكن أن تنافسه أو تحد من حركته.

وبذلك، لا تبدو الحكومة الجديدة مجرد فريق يعمل تحت إشراف الوزير الأول، بل قد تكون محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الجهاز التنفيذي، بما يجعل مسؤوليته عن الأداء الحكومي أكثر مباشرة، ويضعه أمام اختبار أكبر في تنفيذ برنامج الرئيس.

 

ثالثا: الحسابات الاجتماعية والانتخابية

 

أما البعد الثالث، فيتصل ببرنامج الرئيس وترتيباته السياسية والاجتماعية. فقد حملت التشكيلة الجديدة وجوها من مناطق وفئات اجتماعية ظلت تطالب بحضور أكبر في دوائر القرار، وهو ما يمكن قراءته ضمن سياسة توسيع التمثيل، والاستجابة لخطاب تمكين الفئات الهشة.

لكن هذا التوجه لا ينفصل عن الحسابات الانتخابية؛ إذ يبدو أن بعض الاختيارات راعت الوزن الاجتماعي والمجالي لبعض الأسماء، إلى جانب مواقف داعمي "سردية المأمورية الثالثة"، الذين حظوا، وفق هذه القراءة، بنصيب نسبي من التمثيل في الحكومة الجديدة.

وهنا يبرز سؤال أساسي: هل تعكس هذه التعيينات توجها نحو توسيع قاعدة المشاركة في السلطة على أساس الكفاءة والتمثيل المتوازن، أم أنها تستهدف، في المقام الأول، إعادة تنظيم الحاضنة السياسية والاجتماعية للنظام استعدادا للمرحلة المقبلة؟

في المحصلة، توحي تركيبة الحكومة الجديدة بأنها تتجاوز مجرد الاستجابة لأزمة أو معالجة اختلالات قطاعية. فالتضحية بعدد من الأسماء الكبيرة قد تكون جزءا من عملية أوسع لإعادة توزيع النفوذ داخل السلطة، وتعزيز موقع الوزير الأول، وإعادة ترتيب الحسابات السياسية والاجتماعية التي تحكم المرحلة المقبلة.

لكن دلالة هذه الحكومة لن تتحدد فقط من خلال الأسماء التي غادرت أو دخلت، بل أيضا من خلال طبيعة الأدوار التي ستُسند إلى المغادرين، ومدى اتساع هامش الوزير الأول في إدارة الملفات الحكومية، وقدرة التشكيلة الجديدة على تحويل التوازنات السياسية إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.

تصفح أيضا...