
الأخ والزميل النائب سيد أحمد محمد الحسن
بداية، يقتضي "الإنصاف" الإقرار بأن ما تفضلتم به يدخل في صميم الدور الرقابي والسياسي المنوط بالبرلمان، وأن إثارة الأسئلة المتعلقة بأثر السياسات الاقتصادية على حياة المواطنين أمر مشروع ومطلوب في أي نظام ديمقراطي.
كما أن اختلاف القراءات بين الفاعلين السياسيين والاقتصاديين لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره خصومة، وإنما بوصفه مؤشراً على حيوية النقاش العمومي وحرص الجميع على خدمة المصلحة الوطنية من الزوايا التي يرونها أقرب إلى الصواب.
لقد جمعتنا قبة البرلمان سنوات من الزمالة والاحترام المتبادل، وأعرف أن دافعكم في هذا الطرح هو الانشغال بأوضاع المواطنين، تماماً كما أعرف أن من يدافعون عن خيارات الحكومة لا يفعلون ذلك من باب المكابرة أو إنكار المعاناة، وإنما انطلاقاً من قناعة بأن إدارة الدولة في ظروف إقليمية ودولية معقدة تفرض أحياناً خيارات صعبة لا خيارات مثالية.
غير أن النقاش يظل مفتوحاً حول توصيف المشكلة نفسها؛ فالسؤال المطروح اليوم هو كيف تُدار هذه الأزمة، وما هي الأدوات المتاحة فعلاً للدولة في مواجهتها.
فعندما نتحدث عن ارتفاع أسعار المحروقات، فإننا نتحدث عن موجة عالمية طالت دولاً غنية وفقيرة على حد سواء.
وكانت أمام الحكومة خيارات متعددة؛ من بينها الاستمرار في دعم الأسعار بصورة واسعة، أو المحافظة على التوازنات المالية للدولة مع توجيه الموارد نحو الاستثمار والبنية التحتية والحماية الاجتماعية.
وقد اختارت الحكومة المسار الثاني، وهو خيار يمكن الاتفاق أو الاختلاف معه، لكنه لم يكن قراراً ارتجالياً أو معزولاً عن رؤية اقتصادية أشمل.
ومن الإنصاف كذلك الإشارة إلى أن حكومة الوزير الأول المختار ولد اجاي، جاءت في سياق مشروع إصلاحي أطلقه فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني منذ عام 2019، وحقق خلال سنواته الماضية جملة من التحولات الملموسة.
ففي مجال الأمن الغذائي، انتقلت البلاد من الحديث عن استحالة الاكتفاء الذاتي من الأرز إلى تحقيق مستويات غير مسبوقة من الإنتاج الوطني.
وفي مجال البنية التحتية، شهدت البلاد إعادة بناء محاور طرقية استراتيجية، وتوسيع الشبكات الكهربائية والمائية، وإطلاق مشاريع هيكلية ظلت لعقود مجرد وعود مؤجلة.
وفي قطاع الطاقة، يجري حالياً إنجاز أكبر توسعة للطاقة التخزينية للمحروقات في تاريخ البلاد، بما سيضاعف قدرات التخزين الوطنية ويمنح موريتانيا هامشاً أكبر في مواجهة تقلبات الأسواق الدولية.
وهذه المشاريع لم تأتِ في ظروف رخاء مالي أو استقرار عالمي كامل، فقد أُنجز جزء كبير منها في ظل أزمات متلاحقة، من جائحة كورونا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد الدولية والحروب التي أثرت على أسعار الغذاء والطاقة.
أما فيما يتعلق بالحماية الاجتماعية، فمن الصعب تجاهل ما تحقق عبر برامج "تآزر" والتحويلات النقدية والتأمين الصحي للفئات الهشة وبرامج دعم التعليم والتغذية المدرسية.
بل إننا إذا تحدثنا بتجرد تام فإن هذا الحكم يعد أكثر حكم موريتاني اهتم بالفقراء، ووضع سياساته وفق مقاساتهم، وأسس برامج خاصة بهم، ووجد الفقراء فيه صوتا ظل مغيبا لعقود.
قد تكون هناك نواقص في التنفيذ أو اختلالات في بعض المشاريع، وهي أمور تستحق المراجعة والتصحيح، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن الدولة خصصت لأول مرة موارد غير مسبوقة للحماية الاجتماعية وجعلتها جزءاً مركزياً من سياساتها العمومية.
وفي ما يخص الحديث عن العدالة في توزيع أعباء الأزمة، فإن النقاش هنا لا يتعلق بوجود عبء أو عدمه، بقدر ماهو نقاش حول كيفية توزيعه.
فالدولة التي تتنازل بالكامل عن مواردها في ظرف دولي مضطرب قد تجد نفسها بعد سنوات عاجزة عن تمويل المدارس والمستشفيات والطرق وشبكات المياه والكهرباء.
لذلك فإن الموازنة بين حماية القدرة الشرائية والحفاظ على استدامة المالية العمومية تظل معادلة معقدة لا توجد لها وصفة سحرية.
لقد اخترتم، مشكورين، النظر إلى المشهد من زاوية أثر القرارات على المواطن اليوم، وهي زاوية مشروعة ومهمة.
وهناك من ينظر إلى المشهد من زاوية أخرى تتعلق بضمان قدرة الدولة على تمويل التزاماتها ومواصلة الاستثمار في المستقبل.
وبين الزاويتين مساحة واسعة للاجتهاد السياسي والاقتصادي، ولا أظن أن أحداً يحتكر الحقيقة كاملة.
ولكن دعونا ننطلق من نقطة جوهرية، هي أن فخامة رئيس الجمهورية هو صاحب الحل والعقد في مختلف وظائف الدولة، وهو مسؤول عن اختياراته، وهو من يحاسب تلك الاختيارات، ويعلم جيدا بين غثها وسمينها، ويدرك بجلاء الفرق بين من يستطيع ومن لا يستطيع، وأن الأخذ بالبعض ورد البعض، أمر غير مقبول في كنّاش السياسة.
ويبقى الأهم أن يظل هذا النقاش محكوماً بالاحترام المتبادل والإقرار بحسن النوايا، لأن الجميع، حكومةً ومعارضةً وأغلبيةً وبرلماناً، يجتهدون في البحث عن أفضل السبل لخدمة موريتانيا، حتى وإن اختلفت الأدوات وتباينت الرؤى.
فالأوطان لا تتقدم فقط بالحوار وتبادل وجهات النظر، ولا تُبنى باليقين المطلق، بقدر ما تبنى بتلاقح الأفكار واختبار السياسات وتصويبها كلما اقتضت المصلحة الوطنية ذلك.
الداه صهيب : نائب المذرذره

