
تشير العديد من الدراسات الاستشرافية والأحداث الجارية إلى أن القرنالحادي والعشرين سيتسم بتحولات جذرية ومتسارعة
في مختلف المجالات )الأمنية والاقتصادية والصحية والمناخية(. وقدعاش العالم خلال السنوات الأخيرة، منذ سنة 2020 ،
تداعيات جائحة كوفيد- 19 التي خلفت أضرارًا بشرية جسيمة، إلىجانب الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة التي أدت إلى صدمات
نفطية وغازية خلال أقل من أربع سنوات، وما نتج عنها من اضطراباتكبرى في الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد والإمداد .
وأمام هذه المخاطر العالمية المتكررة، أطلق رئيس الجمهورية، فخامةالسيد محمد ولد الشيخ الغزواني، برنامجًا حكوميًا يقوم
على استثمارات ضخمة لتطوير البنى التحتية وتعزيز القدراتالإنتاجية للبلاد، وقد بدأت نتائج هذه الجهود تظهر بالفعل في عدد
من القطاعات الحيوية. ويرشح هذا التوجه العمومي لتصاعدًامتواصلاً يهدف إلى تحفيز ديناميكية اقتصادية قادرة على خلق
دائرة إيجابية من الاستثمار والنمو المستدام والشامل، وإرساء أسسالصمود الوطني والتنمية الذاتية والتماسك الاجتماعي . غیر أن نجاحھذه الرؤیة الاستراتیجیة وازدھارھا سیعتمدان أساسًا على قدرةمنظومتنا الاقتصادیة والمجتمعیة على إنجاز
التحولات التكنولوجیة والثقافیة اللازمة لخلق بیئة تساھم في تسھیلوتسریع التنمیة ا.
إن هذا التحول المزدوج يمثل تحديًا محوريًا للبلاد، إذ بات من المؤكد أنتقدم الأمم لا يُعد مسؤولية مؤسسات الدولة وحدها،
ولا قضية قطار ينتظرون مواطنين قدومه لتأكيد وصوله في الوقتالمحدد اوعدم ذألك. بل يجب النظر إليه باعتباره ثمرة عملية
شاملة ومتعددة الأبعاد ومترابطة، تشمل المجتمع بأكمله، وتتطلبتضافر الجهود بحيث يشعر كل فاعلا، مهما كان موقعه أو
وضعه، بمسؤوليته في امتلاك الإرادة والوسائل اللازمة للعمل بجديةوفعالية، والمساهمة بنصيبه من الجهد، مهما كان
متواضعًا، لدفع سفينة الوطن في الاتجاه الصحيح وقيادتها نحو برالأمان .
ومن هذا المنطلق، ينبغي لجميع الأجهزة الإدارية والإنتاجية، وكافةالهيئات العامة والخاصة، أن تضطلع بدور فاعل في التنمية
من خلال الاستثمار المكثف في رأس المال البشري والبحث العلمي،والعمل على تحديث أساليب العمل وتحسين العمليات، عبر
تبني أدوات الإدارة الرشيقة (Lean Management) وتحقيق التميزالتشغيلي ( L'excellence opérationnelle ، )
والاستفادة من مختلف وسائل التحول التكنولوجي والرقمي التيتشكل روافع وفرصًا هائلة لتعزيز الأداء وتسريع الإنجاز في
جميع المجالات .
كما أن المجتمع مدعو بدوره إلى مراجعة الذات وتغيير العقليات، منخلال إعطاء أهمية أكبر للعمل والانضباط والاستحقاق،
واعتماد أنماط استهلاك أكثر ترشيدًا ومسؤولية، وترسيخ لدى الشبابقيم المواطنة, والانخراط المجتمعي و كذا قيم التضامن
والمساوات، وهي القيم التي ترتقي بالمجتمع و تعزز وحدته وتماسكه،وتساهم في القضاء على السلوكيات التي تضر
بالمصلحة العامة وبالتقدم الفردي والجماعي وبالانسجام الاجتماعي .
ومن جهة أخرى، يستطيع كل فرد، من خلال تجربته المهنيةوالاجتماعية، ومن خلال نظرته إلى العالم والأعمال التي ينجزها
يوميًا والقيم التي يدافع عنها، أن يؤدي دورًا إيجابيًا في هذه العملية،سواء بمشاركة فكرة أو رؤية بناءة، أو بإظهار طريق
جديد، أو باقتراح أسلوب مختلف للعمل .
إنه عبر هذا المسار العميق من التحول التكنولوجي والثقافي والسلكي،ومن خلال انخراط جماعي صادق ومركز على ما يخدم
المصلحة الوطنية والمجتمعية، سنتمكن من مساعدة وطننا على تطويراقتصاده ومؤسساته، ومواجهة التقلبات العالمية،
والالتحاق سريعًا بركب الدول القوية القادرة على التحكم في مصيرها،وضمان الرفاه الجماعي وتأمين مستقبل الأجيال القادمة .
نسأل الله تعالى أن يوفق خطانا، ويحفظ وطننا، ويمده بالقوة والموارداللازمة لتحقيق طموحات قيادته وآمال شعبه .
محمد أحمد محمدي ديدي
استشاري مستقل .

