
في السنوات الأخيرة، لم تعد التحولات السياسية في بعض دول غرب إفريقيا تُفهم فقط من زاوية ضعف النخب التقليدية أو تعثر بناء الدولة بعد الاستقلال، بل باتت تُقرأ أيضًا في إطار صعود موجة جديدة من الخطاب السياسي، تتسم بارتفاع منسوب التعبئة العاطفية، وتزايد حضور الشعارات السيادية والمرجعيات الأفريقية، مقابل تراجع نسبي في ثقة جزء من الشباب بالمؤسسات الحزبية التقليدية وآليات الوساطة السياسية المعهودة.
ضمن هذا السياق، برزت تيارات سياسية وشخصيات استطاعت أن توظف هذا المزاج الاجتماعي المتوتر، خصوصًا في أوساط الشباب، من خلال خطاب يجمع بين نقد الإرث الاستعماري، والتنديد بالاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، والدعوة إلى استعادة القرار الوطني وتعزيز السيادة الاقتصادية والسياسية. هذا الخطاب يجد بيئة خصبة في دول تعاني من نسب بطالة مرتفعة، وضغوط معيشية، وشعور متراكم بعدم العدالة في توزيع الثروة والفرص.
في السنغال، يُعدّ صعود "عصمان سونكو" وحزبه أحد أبرز مظاهر هذا التحول. فقد استطاع الرجل أن يتموضع في قلب هذا المزاج الاحتجاجي، مستفيدًا من خطاب مباشر وحادّ، يركز على قضايا السيادة، ومحاربة الفساد، وإعادة صياغة العلاقة مع الخارج، بما يتقاطع مع أطروحات أوسع تُوصف أحيانًا بالسِّيادَوِيَّة (souverainisme) أو النزعة "الأفريقية-الجديدة" (néo-panafricanisme). وقد ساهمت تجربته السياسية، بما تخللها من صدامات مع السلطة والمعاناة والتعرض للاعتقال والمحاكمات، في تعزيز حضوره الرمزي لدى شرائح واسعة، خاصة من الشباب، باعتباره تعبيرًا عن التحدي في مواجهة منظومة سياسية يُنظر إليها في شبه المنطقة على أنها مغلقة وجائرة في حق شعوب القارة.
غير أن هذا النوع من الخطاب، رغم قدرته العالية على التعبئة والحشد، يطرح في المقابل إشكالات تتعلق بطبيعة الممارسة السياسية نفسها. فحين تتقدم "الشعبَوِيّة" أو "الشُّعوبِيّة" على حساب المؤسسات، ويتحول الزعيم السياسي إلى مرجعية معنوية شبه مطلقة، تصبح الحدود بين النقد السياسي المشروع وبين الانقسام العاطفي الحاد أكثر هشاشةً وضعفا. كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى إعادة تشكيل المجال العام على أساس الاستقطاب الطائفي، حيث تُختزل المواقف السياسية في ثنائيات حادة - مع أو ضد، سِيّادي أو استعماري - بما يضعف إمكانات الحوار العقلاني والتداول الديمقراطي الهادئ.
من هذا المنظور، فإن الإشكالية لا تكون في اختلاف البرامج والأهداف، بل في الطريقة التي يُعاد بها إنتاج هذه البرامج داخل خطاب تعبوي يضعف تدريجيًا مركزية المؤسسات والقواعد الإجرائية لصالح منطق "الشارع". فالتجربة السياسية تُظهر أن القدرة على الحشد الشعبي، مهما كانت قوية، لا تكفي وحدها لبناء دولة مستقرة، ما لم تُترجم إلى سياسات عمومية قابلة للاستمرار داخل إطار مؤسسي متماسك.
وفي المقابل، من المهم الإشارة إلى أن السياق السنغالي، رغم ما يعرفه من توترات سياسية متكررة، ظل يتمتع بدرجة معتبرة من الاستقرار النسبي والتداول السياسي، وهو ما يعكس وجود رصيد مؤسسي وتقاليد سياسية تراكمت عبر الزمن، قد تتيح امتصاص حدة هذه التحولات وتوجيهها داخل الأطر الديمقراطية القائمة.
في المحصلة، يبدو أن غرب إفريقيا، والسنغال ضمنها، تشهد مرحلة انتقالية في أنماط الخطاب السياسي وتوازنات الفعل الحزبي، حيث تتجاور فيها تطلعات الشباب نحو التغيير الجذري مع تحديات بناء الدولة الحديثة. ويبقى الرهان الأساسي هو القدرة على تحويل الطاقة الاحتجاجية والتعبئة الشعبية إلى قوة إصلاح مؤسسي، بدل أن تتحول إلى حالة استقطاب دائم تُضعف المجال السياسي بدل أن تُعيد تجديده..وليست دول "الساحل" منّا ببعيد.
محمد فال ولد بلال

