الاتجاه العكسي للسياسات / محمد الأمين ولد الداه

أحد, 15/03/2026 - 19:50

 

في السياسة لا تحدث الانعطافات دائماً بضجيج بل كثيراً ما تبدأ بخطوات صغيرة تبدو في ظاهرها تقنية أو مالية لكنها في العمق تغير وجه الطريق. وما إن تمضي تلك الخطوات قليلاً حتى يكتشف الناس أن الطريق الذي ظنوه ماضياً إلى الأمام بدأ ينحرف بهم - بهدوء - نحو الاتجاه المعاكس.

حين وصل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الحكم تشكل في الوعي العام تصور واضح عن الروح التي ستطبع المرحلة. كان هناك حديث متكرر عن إنصاف الفئات الهشة والمغبونة وعن ضرورة أن تميل كفة الدولة قليلاً نحو أولئك الذين طالهم الحرمان أكثر من غيرهم. وقد بدا هذا التوجه في سنواته الأولى أكثر من مجرد شعار سياسي ؛ إذ جاءت لحظات عصيبة في الاقتصاد العالمي من جائحة" كورونا " إلى الارتدادات الاقتصادية العنيفة للحرب الروسية الأوكرانية فاختارت الدولة يومها أن تخفف عن الفئات الأضعف وأن تقول للمجتمع إن العدل الاجتماعي ليس مجرد لغة في الخطب.

وفي الضفة الأخرى من هذا التصور كانت هناك قصة أمل تُروى بهدوء للموريتانيين: قصة الغاز القادم من أعماق البحر.. وقصة اقتصاد جديد قد يفتح أبواباً أوسع للرخاء. وكان "مشروع السلحفاة آحميم الكبير " يُقدم دائماً باعتباره علامة على هذا الأفق المنتظر..أفقٌ تُخفَّف فيه أعباء الحاضر بينما تُبنى جسور المستقبل.

غير أن السياسات لا تنكشف وجهتها الحقيقية في صفاء الخطاب بل تتجلى حين تتعاقب الإجراءات وتبدأ في رسم الطريق. عند تلك اللحظة بالذات تسللت الأسئلة بهدوء إلى الوعي العام: هل ما زالت البوصلة تشير إلى الجهة التي قيل لنا إنها المقصد؟

حدث ذلك عندما ظهر في الآونة الأخيرة ما ترك لدى كثيرين إحساساً جلياً بأن الطريق لم يعد يسير تماماً في الاتجاه الذي رُسم له في البداية. فقد تعاقبت في فترة وجيزة قرارات متتابعة: تسريح آلاف عقود العمل ثم رفع الدعم عن المحروقات، وفرض ضريبة على التحويلات النقدية، وأخيراً ضريبة على الهواتف. وكل قرار منها، إذا نُظر إليه منفرداً، قد يبدو مجرد إجراء مالي عابر في حسابات الدولة؛ لكن حين تُوضع هذه الخطوات جنباً إلى جنب تتكشف صورتها الكاملة: أعباء صغيرة تتراكم بصمت، لكنها في النهاية تستقر حيث تستقر دائماً… على كتفي الفئات التي قيل يوماً إن الدولة جاءت لتخفف عنها لا لتضيف إلى أثقالها ثقلاً جديداً.

ليست المشكلة هنا في كل إجراء على حدة؛ فالدول قد تضطر أحياناً إلى قرارات موجعة. لكن السياسة لا تُقرأ بالقرارات المفردة، بل بالخيط الذي يجمع بينها. وحين توضع هذه الخطوات جنباً إلى جنب، يبدو المشهد كأنه يسير ببطء في اتجاه مختلف عن ذلك الوعد الأول الذي قال إن الدولة ستقف أقرب إلى الفئات الأضعف.

ثم إن توقيت هذه السياسات يضيف طبقة أخرى من القلق؛ فالعالم يعيش اضطراباً متزايداً في أسواق الطاقة والغذاء، من ارتدادات الاعتداءات الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وهي ظروف تجعل الحكومات – في العادة – أكثر حذراً في تحميل المجتمعات أعباء جديدة.

وهنا يبرز السؤال الذي لا تستطيع السياسة الهروب منه: أي طريق نريد أن نسلك؟ طريق يخفف عن المجتمع حتى تعبر السفينة العاصفة، أم طريق يطلب من الركاب مزيداً من الاحتمال بينما الأفق ما زال ملبداً؟

إن المجتمعات لا تفقد ثقتها بسبب قرار واحد، لكنها تبدأ في القلق حين تشعر أن البوصلة التي وعدتها بالاتجاه نحو العدالة الاجتماعية بدأت تشير إلى جهة أخرى. والسياسة الحكيمة ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تنتبه سريعاً إلى اتجاه الريح قبل أن تبتعد السفينة كثيراً عن المرفأ الذي وعدت الناس بالوصول إليه.

ولعل أصدق ما يقال في خاتمة هذا النقاش أن الدول مثل البشر لا تُقاس فقط بما تقوله بل بما ترسمه سياساتها من طريق. فالمسارات الاجتماعية لا تُبنى بإجراء عابر، بل بسلسلة من القرارات التي تحرس الاتجاه. وما بدأ يوماً ميلاً نحو الضعفاء ينبغي أن يبقى كذلك لأن الطريق إذا بدأ ينحرف قليلاً اليوم فقد يكتشف السائرون فيه غداً أنهم ابتعدوا كثيراً عن الجهة التي ظنوا أنهم يقصدونها.
*محمد الأمين الداه*

تصفح أيضا...