
لا شك أن من أعظم النعم أن يعيش الإنسان في أمن وأمان على دينه ونفسه وماله وعرضه، فالحياة بكل بساطة لا تستقيم في ظل اضطراب الأمن أو غياب السكينة، بل لابد لها مما تصلح به وبه تستقيم، ومن جملة ذلك ما ذكره الإمام الماوردي، وهو العارف بالأحكام السلطانية؛ المتفنن في بيان صلات الشعوب بسلاطينها وأمرائها، وطبعا لا سلطان إلا بجند..
فالدنيا حسب هذا الإمام العارف لا تصلح حتى تصير أحوالها منتظمة وأمورها ملتئمة؛ ولا يكون ذلك دون توفرقواعدها الست وإن تفرعت؛ وهي: دين متبع، وسلطان قاهر، وعدل شامل، وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح.
نعم لابد من أمن عام يكون هو الأرضية المناسبة لثبات الحكم وقيام الدول؛ فبه تُرسى دعائم الدين ويتمكن كل فرد من ممارسة التزاماته وشعائره الدينية في سكينة وأمان على الوجه الأكمل، ومعروف لدى الجميع أن للخوف أحكامه التي تسقط معها جملة من التكاليف، بل تتعذر أخرى ويصعب الأداء.
وكلنا يدرك أن لا وجود لسلطان له يد القهر وكرسي السيادة دون جند وأي جند؛ فلا بد لذلك من جيش منسجم الأركان موحد الرجال، تجمعه الحمية للوطن، والالتفاف حول القيادة، وهنا مربط الفرس في استتباب الأمن، وربع عزَّة في الاستقرار الممهد لكل تنمية وازدهار.
فالأمن إذا هو الأساس الذي تقوم عليه كل الدعائم الأساسية لوجود حياة بها الدنيا تستقيم، فلا وجود للعدل دونه، ولا خصب يدوم بفقده، ولا أمل يتولد أو يتسع بانعدامه، فهو منة الله على عباده، ودعوة انبيائه وصلحائه، منَّ به على قريش، ودعا به إبراهيم عليه السلام، فالأمان بيئة يترعرع في كنفها الدين وتزدهر فيها كل جوانب الحياة الأخرى، والخوف قتال، ومبدد لكل الأشياء الجميلة، ومعطل للمقاصد المحفوظة.. وصدق نبينا الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام القائل: ( من أصبح منكم في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فقد حيزت له الدنيا).
وإذا كانت أهمية الأمن كما تقدم، ومحورية الجيش فيها كما بُيِّن فإن الجيش الموريتاني لعب أدوارا ريادية في استتباب الأمن وبسط السكينة، والحفاظ على المقدسات الدينية، والذّب عن الحوزة الترابية، ولقد قام الجيش الوطني الموريتاني بذلك في فترات كانت صعبة جدا؛ ضحى فيها بالغالي والنفيس من أجل أن ينام المواطن قرير العين لا تقطع أحلامه الكوابيس المزعجة.
كان الجيش الموريتاني في باكورة أمره يعتمد على الرجال وقدراتهم الذاتية أكثر من العتاد، وخاض بذلك حروبا، واستمر على هذه الحالة عقودا مَددا وسنين عددا، فنالت منه الجماعات الإرهابية ما نالت، وهُددت سكينة العاصمة الفتيةأيما تهديد، واستمرأ المهربون التجوال في الوطن الحبيبطولا وعرضا، لكن وبعد تولي قيادة الأركان من قبل صاحب الفخامة الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني تحولت العقلية من استثمار خجول في الرجال دون الوحدات الآلية إلى استثمار في العنصرين الهامين معا وبجرأة أكبر، وعقلية أنضج، وتخطيط أضبط.
فتحول جيشنا الأبي من وضعيته الأولى التي لا يوجد فيها ما يميزها عن جيوش المنطقة الضعيفة إلا بسالة الرجال وإقدامهم وقدرتهم على التحمل في أصعب الظروف، تحول من ذلك الوضع إلى جيش وطني قوة بقوته البشرية المعهودة وعتاده العسكري المتطور، فانزاحت الجماعات الإرهابية وزال خطرها عن المواطن، وتمت مطاردتها خارج حدود البلاد عندما دعت الضرورة إلى ذلك، وأمِن السُياح داخل البلاد بعد أن انتابهم الخوف الشديد الذي سببه ما حصل من قتل واختطاف طالهم على أرضنا بسبب تلك الجماعات أيام عدم الاستثمار الحقيقي في تأمين الوطن والمواطن؛ ذلك الزمن الذي لم تسلم منه حامياتنا على الحدود ولا ثكناتنا العسكرية حينها، لكن الأمر تغير ولله الحمد بزاوية 180 درجة إن جاز التعبير، فبُسط الأمن بعد أن قويت شوكة رجاله ومُكنوا من عتاده، وتحسنت ظروفهم المادية والمعنوية، ولا أدل على ذلك من أن بلادنا والحمد لله تنعم بالسكينة والأمان، وتحفظ حدودها دون اللجوء إلى غيرها في محيط إقليمي مضطرب كان اعتماد دول الجوار فيه على غيرها في بسط الأمن وحصول السكينة، وإن استغنت عن قوة ما في ذلك فهي تمُدُّ يد اللَّجاءة طلبا للمساعدة إلى جهة أخرى،ومع ذلك تعاني دول الجوار ما تعاني من حروب وويلات وهروب ونزوح لمواطنيها ومحاولة تقسيمها إلى أقاليم ودويلات، الشيء الذي يجعل بلادنا الاستثناء السليم الوحيد في منطقة الساحل على الأقل؛ وهذه نعمة نحمد الله عليها، ونُقيدها بزيادة الاستثمار في ما يصونها ماديا ومعنويا.
إن المتتبع للساحة الوطنية في السنوات الماضية لا يمكنه أن يتجاهل البوادر المعنوية الكبيرة التي قام بها صاحب الفخامة بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة من خلال زيارته للوحدات العسكرية على المناطق الحدودية ومشاركتهم مائدة الإفطار المباركة وهم على الثغور؛ مرابطين في سبيل الله حماية للوطن، وتبجيلا للمواطن، هذا بالإضافة إلى الجوانب المادية الكثيرة من تحسينات طالت الامتيازات المالية والتشجيعات الشخصية، واقتناء المستلزمات الضرورية.
إننا في حديثنا عن الأمن عموما، وعن دور الجيش الوطني فيه تحديدا، والمراحل التي مر بها لن نستطيع التجاوز أو الإغفال عن الإشادة بكل من تركوا بصمة إيجابية في سبيل خدمة الوطن سواء كانوا جنودا أو ضباط صف أو ضباطا في رتب أعلى، ولإن كان المقام لا يسمح ببسط ذكر الجميع فإن بعض القيادات والأفراد تميزت في هذه الجهود الإيجابية التي ذكرنا عن جيشنا الباسل؛ الذي نحمد الله أن منَّ علينا به، ومن هذه القيادات من يُمثل علامة بارزة ليس فقط في بعده العسكري بل في جوانب إنسانية واجتماعيةأخرى؛ ومنهم ذكرا دون حصر الفريق محمد فال ولد الرايس قائد الأركان العامة للجيوش، فلقد تميز الرجل بإسهاماته الاجتماعية وتدخلاته الإنسانية بعيدا عن الأضواء والضجيج الإعلامي، مما جعل منه شخصا جامعا ليس فقط للمنتمين للقطاع العسكري فحسب، بل امتد ذلك إلى المواطنين العاديين الذين يحفظون له ذلك الود، ويصونون له ذلك الأثر الطيب، والندى الذي وصلهم منه دون من ولا أذى.
ولأن قائد الأركان العامة للجيوش الحالي محمد فال ولد الرايس يتمتع بخبرة ميدانية كبيرة جدا، وينفرد بسيرة ذاتية مميزة، ومؤهلات علمية رفيعة، وخصائص شخصية استثنائية؛ يدعم ذلك كله الحزم في المواقف الصعبة، والثقافة الواسعة جدا، إلى جانب الرحمة بالضعفاء، والقرب من البسطاء، فهو إذن وبكل اختصار؛ يتميز بشخصيته القيادية، وبالحكمة في التعامل، وإحكام التخطيط الاستراتيجي.. وكل ذلك من شأنه أن يجعل منه رافعة حقيقية، تجعل من الجيش الوطني؛ القوة الضاربة، المدربة والجاهزة، المنضبطة والمنسجمة، وهو ما يجعل الجيش الوطني بحق صمام أمان لكل الموريتانيين، ومصدر فخر، ومكمن استقرار، وضامن لتأمين الحوزة الترابية بكل هدوء وتمكن وأريحية؛ وحينها ينال أفراد قواتنا المسلحة جميعا بعد قائدهم الفذ تقدير واحترام الجميع قمة وقاعدة؛ بدءا بفخامة رئيس الجمهورية وانتهاء بآخر مواطن في أبعد نقطة حدودية.
