
تكميلا لما بدأته في تدوينة سابقة سأحاول الآن الحديث عن الجانب النظري في تعامل الفقهاء مع مصادر الاسترقاق والاجراءات التي قاموا بها من أجل التمييز بين المشروع منها والممنوع.
لقد قسم الفقهاء المناطق الشعوب الإفريقية التي يجلب منها الرقيق إلى ثلاثة أقسام :
1- شعوب ومناطق مسلمة بالكامل مثل شعب الفلان والسوننكي والسونغاي والمالنكي فلا يجوز استرقاق المجلوب منها, ومثله في ذلك الشعوب المعاهدة لسلاطين المسلمين.
2- شعوب يغلب عليها الكفر والحرابة فلا حرج في استرقاق المجلوب منها إلى البلاد مثل بنبارة وموشي وغيرهم، لأنه إما مسأور في الحروب الواقعة بينهم وبين المسلمين فلا حرج في استرقاقه,-ومعروف أنهم كانوا يشكلون قوة احتلال لمناطق إسلامية واسعة -, أو مبيع من طرفهم وهم كما نعلم يمارسون الرق, فلا حرج فيه كذلك ؛ إذ أن شراء الرقيق من الكفار المحاربين أحد مصادر الرقيق المعتبرة في الاسلام كما بوب عليه البخاري ووقع عليه الإجماع. وذلك من باب المعاملة بالمثل لأن هذه المجموعات تشارك في استرقاق أبناء المسلمين كلما وجدت إلى ذلك سبيلا.
3- شعوب أو مناطق اختلط فيها الإسلام والكفر فيجب الاحتراز والاحتياط فيما يجلب منها, فعلى المسلم أن يستبرئ لدينه ويحتاط ما استطاع إلى ذلك سبيلا. هذا هو موقف المنظومة الفقهية من الناحية النظرية. وقد تكلم على هذه التقسيمات - إجمالا أو تفصيلا - جماعة من الفقهاء منهم: ابن هلال في نوازله, والونشريسي في المعيار ومخلوف البلبالي في رسالة له في الموضوع وسيدي أحمد باب التنبكتي في كتابه: "الكشف والبيان عن أصناف مجلوب السودان", والشريف حمى الله التشيتي وسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم في نوازلهما والشيخ سيدي مُحمد الكنتي في أجوبته وفتاويه المتعددو وعثمان بن فودي في "رسالته في أصناف مجلوب السودان" وغيرهم.
وفي هذا السياق تدخل فتوى العلامة أحمد بن العاقل (1243هـ) بتحريم استيراد الرقيق من ناحية سينغال لأنها دار إسلام منذ أمد بعيد.لقد ظل هؤلاء الفقهاء حريصين على تمييز المسلمين من الكفار والمحاربين من المعاهدين. ,وبلغتنا المعاصرة فقد ظلوا حريصين على " تصنيف هذه المجموعات السكانية " من حيث الكفر والاسلام و"تحديث ذلك التصنيف"، كلما تقدم الزمن.كتب مخلوف البلبالي التنبكتي في القرن العاشر الهجري تقريرا عن أسماء القبائل والشعوب المسلمة والكافرة وتلك التي يوجد فيها مسلمون وكفار.في القرن الحادي عشر استشعر بعض الفقهاء حدوث تغيُرٍ في عقائد بعض تلك الشعوب فطلب من أحمد باب التنبكتي أن يبين لها ما آل إليه حالها في عصره فألف في ذلك رسالته المعروفة: "الكشف والبيان عن أصناف مجلوب السودان".
قام أحمد باب وهو " الصنهاحي السوداني " بإعداد بيلوجرافيا بأسماء وأصناف البلدان الشعوب والقبائل المسلمة وغيرها ، بل إنه تعدى ذلك إلى تتبع الألقاب القبلية والعائلية لتلك المجموعات أو كما نسميها في العامية" صَنْتَ"، فتحدث عن " جاخيتا واكويتا وجوب وبغيغ " إلخ تلك الالقاب... كما تحدث عن المناطق بالتفصيل. ثم جاء العلامة عثمان دان فودي في القرن 13هت فألف رسالة في نفس الموضوع بين فيها حال تلك الشعوب في عصره.
لا يمكن أن ندعي أن هذه التصنيفات قد التزم بها الناس يومئذ بنسبة 100% ، بسبب السيبة وضعف الوازع الديني . ولكن من الواضح كذلك أن صوت الحق والإنصاف كان حاضرا ومسموعا وأن أهل الورع والاحتياط كانوا يتورعون عن كثير من ذلك ما أمكنهم – وهناك شواهد ثابتة ومعروفة- مع سهولة الغرر والانخداع يومئذ لغياب المواصلات وبعد المسافات.ولا شك كذلك أن كثيرا من لأحرار من المسلمين وغيرهم قد شملهم الرق ظلما وعدوانا، منهم من قام بحجته ووجد فرصة للتخلص من نار الاسترقاق الظالم.ومنهم وهو الأكثر الأغلب من لم تتح له تلك الفرصة لأسباب متعددة.
هذا التأصيل النظري وما صاحبه من تطبيق صارم في رأينا جوانب منه ليدل على وجود وعي كبير لدى الفقهاء الموريتانيين بضرورة محاربة ظاهرة الاسترقاق غير المشروع .ويؤكد على براءتهم من تهمة ازدواجية المعايير الأخلاقية وغيرها من التهم الباطلة التي يحاول البعض إلصاقها بهم .
ملاحظة:
لايعني هذا ونحوه تشريعا للرق في هذا العصر بعد ما أصدرت الدولة القوانين الرافضة له، وبعد قرار تحرير الارقاء 1961 و1981م. وبعد ما تطور النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي تعامل معه الاسلام قديما وأقر مشروعية الرق من أجله.