عقدة مؤرخي المغرب من ثقافة شنقيط واستقلالها (رأي)

أربعاء, 17/08/2022 - 10:08

يعتقد الإخوة المغاربة اعتقادا جازما لا شك فيه أن موريتانيا جزء لا يتجزأ من المغرب الذي قسمته القوى الغربية غداة أفولها الفعلي وأيام استقلالنا الصوري، وهو اعتقاد يمكن لرسوخه أن يضاف لـ"لاختيارات المغربية في التديّن والتمذهب" التي كتب عنها شاطبي العصر الشيخ الدكتور أحمد عبد السلام الريسوني - حفظه الله -، ولئن كانت إكراهات السياسة المعاصرة وأعراف الدولة الوطنية ومقتضيات العلاقات الدولية منعت المغاربة من التصريح المتكرر بـ"مغربية شنقيط" إلا ما بقي يتمسك به صقور الاستقلاليين، فإن أغلب المثقفين المغاربة يتهامسون بهذا الاعتقاد الجازم وله تنشرح صدورهم وتنبسط أساريرهم إذا جوملوا فيه من موريتاني، ولكم كان صديقنا الكتبي البارع Jamal Bendaoud في مكتبة الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا يهش ويبش حين نطلب منه إحضار المراجع والدراسات الدالة على مغربية موريتانيا، ولعل الصديق العزيز الأستاذ أيوب يعقوب ما زال يذكر يوم طلبنا منه أدلة على تمغربنا فأتانا مبتهجا في دقائق معدودة بعشرات الكتب المحتوية على أدلة دامغة في زعمه تؤيد هذا المعتقد المغربي الذي يُسلي به الأشقاء أنفسهم عن الواقع الذي استحال رفعه.
 

لن أتكلم عن دعوى مغربية موريتانيا من الناحية السياسية لأن الواقع الحالي بحدوده المعروفة فرض على عموم شعوب المنطقة وعلى المدعي والمدعى فرضا، وكلام المرء فيما لم يختر أشبه بالافتخار بالتاريخ أبي الأباطيل والاحتكام إليه سياسيا في زمن المواثيق الدولية والقرارات الأممية البائسة، لكن الذي كان بمقدور المغاربة أن يؤكدوا من خلاله مغربية شنقيط وصحرائها المترامية الأطراف هو القضية الثقافية ومدى وعيهم بالثقافة الشنقيطية كمعرفة أهل فاس والرباط بتاريخ وأعلام المدن والمناطق المغربية الأخرى، وهذه ظلت مستعصية عليهم استعصاء قضية الصحراء على الحل أو عودة تيندوف وسبتة ومليلة إلى العرش العلوي المجيد، فمن "مظاهر يقظة المغرب الحديث" اهتمام المغاربة وغيرهم بالتأريخ الثقافي للمغرب الدولة وبيان "النبوغ المغربي في الأدب العربي" وغيره من أجل إبراز "معلمة المغرب" وتميزها لإيصال الباحثين المنصفين إلى "دليل مؤرخ المغرب الأقصى".
 

هذه الكتب والعناوين التي بين معقوفتين أعلاه كتبت في سياق النهضة الحديثة وظاهرة التأريخ الثقافي للبلدان الإسلامية من أجل الحفاظ على الهوية وتثقيف الشعوب بتاريخها وأمجادها العلمية، ولمواجهة الاستلاب الثقافي الذي رعته فرنسا، وكان المغاربة حريصين على إدماج النزر اليسير الذي يعرفون عن ثقافة شنقيط، وما ذكروه على قلته كان يدل دلالة واضحة على أن طموحهم الثقافي لم يتجاوز "سوس العالمة"، فقد كان الجزء الثقافي الخاص بشنقيط في الكتب المغربية مشوها بأسماء أعلامه قليلا في مادته؛ فالشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيدي عندهم اسمه محمد فقط، وابن رازكه العلم الذي وفد على سلاطينهم ومدحهم يسمونه عبد الله بن محمد العلوي الشنقيطي، فمن لا يعرف الشعر الذي نقله العلامة عبد الله كنون عن "الوسيط في تراجم أدباء شنقيط" لن يعرف هذا الشاعر العلوي الشنقيطي، وحتى الأديب الكبير عباس الجراري الذي اشتغل بأدب الصحراء ظلت هذه الثقافة مستعصية عليه غريبة عنه وهو عنها أغرب، وهذه مادة ثرة فيما كتب المغاربة عن بلادنا يمكن أن تكون بحثا.

 

كما أن المؤرخ ابن سودة كان ضئيل المادة في ذكر الرحلات الشنقيطية، وهذا ما نبهني على قصور المغاربة المشين في الثقافة الشنقيطية فقد لاحظت هذه الملاحظة أيام اقتنائي كتابه "دليل مؤرخ المغرب الأقصى" عام 2004 إذ كنت أجمع منه ما للشناقطة من كتب فيه، وقد أعجبني فيه عنوان: "الجأش الربيط في النضال عن مغربية شنقيط" للشيخ محمد الإمام بن الشيخ ماء العينين ولم يقنعني مضمونه فيما بعدُ، وقد رأيت هذه الملاحظة أي عدم توسع ابن سودة في ذكر الرحلات الشنقيطية عند مؤرخ الثقافة الجزائرية أبي القاسم سعد الله في كتابه القيم "تجارب في الأدب والرحلة" في حديثه عن بحثه عن "رحلة المنى والمنة" للعالم والرحالة الواداني الطالب أحمد ولد اطوير الجنة التي تعتبر من أهم الوثائق المغاربية الشاهدة غداة دخول الاستعمار الفرنسي للجزائر.

 

فلم يجد أبو القاسم لهذه الرحلة ذكرا عند ابن سودة، ولا وجد عند كبار مؤرخي المغرب مثل محمد المنوني من يعرف المؤلف ولد اطوير الجنة على شهرته في بلاد شنقيط، يقول أبو القاسم بحسرة مفعمة بخطر التهور السياسي على الشعوب المغاربية وثقافتها :"وكنت أعتقد أن نسخة من رحلة المنى والمنة لا بد أن تكون في إحدى خزائن المغرب فرجعت إلى دليل مؤرخ المغرب لابن سودة فلم أجده قد ذكرها في باب الرحلات، ومع ذلك لم أفشل فحين زرت الرباط سنة 1973 بحثت عنها فلم أجدها أيضا، فسألت البحاثة الأستاذ محمد لمنوني فاستغربها ثم قال إنه يعرف من يحمل هذا الاسم ابن اطوير الجنة من مراكش ولكنه لا يعرف عن الرحلة شيئا، غير أن ذاكرة محمد المنوني احتفظت بالخبر وظل يبحث عنها، وفي لقائنا أثناء المؤتمر الأول لتاريخ الجزيرة العربية الذي انعقد بالرياض 1977 بادرني الأستاذ المنوني بأنهم حصلوا (وهم يقصد الخزانة العامة بالرباط) على نسخة مصورة من رحلة ابن اطوير الجنة  فشكرته على الخبر ورجوته أن يصور لي منها نسخة، ولكن علاقات بلدينا لم تسمح لكلينا بإنجاز الوعد". تجارب 266-267.

 
من يعرف حقائق الأشياء في المغرب سياسيا وثقافيا واجتماعيا، وإكراهات الواقع في صحراء شنقيط يعرف أن المغاربة لا علاقة سلطوية لهم قديما بهذه الصحراء، فهي عندهم طلسم يأتي منه أقوام غريبو الأطوار والحفظ، فهم وإن رحبوا بالشناقطة ووجد الأخيرون عندهم المكانة اللائقة بهم قديما وحديثا؛ فإن المغاربة الأوائل كانوا ينظرون للشناقطة نظرتهم للآخر؛ فأبيات السلطان محمد العالم في الترحيب بابن رازكه ترحيب بـ"البرانيين"، كما أن المحدث الكبير العلامة الشيخ عبد الحي الكتاني في "فهرس الفهارس" حين ذكر الأسانيد الغريبة المسلسلة بالآباء ذكر الشيخ ماء العينين وآباءه كـ"آخرين" ينتمون "لأهل الصحراء الإفريقية" وليس للمغرب "ديالهم"، وهو سند طريف ينتهي إلى الحافظ السيوطي تجدونه في الجزء الثاني من الفهارس، وقد ذكر بعده "سندا آخر مثله في الغرابة من طريق علماء الروم" عن صديقه الهمام الأستاذ محمد المكي ابن عزوز التونسي المولد والتركي المدفن.
 

لئن استطاع أعلام من الشناقطة أن يتصدروا المشهد العلمي والأدبي  في المغرب مثل الشاعر الأديب البيضاوي وآل الشيخ ماء العينين الذين ظلت المدائح الفاسية تترى عليهم فإن الإخوة المغاربة ظلت أسماء الموريتانيين وأعلامهم ومفاتيح ثقافتهم تشكل لهم تحديا يأبى الاندماج في المغرب وصيرورته المخزنية، وكانت الفرصة الوحيدة التي يستطيع بها المغرب الرسمي والثقافي التغلب على معضلة الثقافة الموريتانية اللقاح التي تكونت في "أيام غرٍّ" وفضاء حر "يأبى أن يدين للملوك" هي فرصة انضمام النخبة النوعية له نهاية الخمسينيات؛ ففي "أعوام الرباط" التي تكلم عنها الدكتور محمد المختار ولد اباه كلاما جميلا في مذكراته "رحلة مع الحياة" كان يمكن أن تعرف المغاربة ومثقفيهم بثقافة شنقيط التي يدعي المغاربة تبعيتها لهم.

 
كما أن الدي ولد سيدي باب الذي شغل وظائف سامية في المغرب كان يمكن استثمارها في مغربة موريتانيا ثقافيا منها وزارة التربية الوطنية وإدارة الديوان الملكي ووزارة الأوقاف، وكان الدي- حسب المحدث الشامي الحلبي محمد فاروق النبهان الذي ترأس دار الحديث الحسنية - "يحب الحوار الثقافي والفكري ويتابع باهتمام قضايا الفكر، وقلما يتحدث في الأمور السياسية في المجالس الاجتماعية"، وأضاف أنه من "أصل موريتاني"، و"يعرف الكثير عن كتب التراث وتاريخ المغرب" كما في الكتاب الحافل "صفحات مضيئة من حياة العلامة محمد فاروق النبهان"، لتلميذه د. محمد بن عزوز ص 271-272.
 

يبدو من اهتمام ولد سيدي باب بتاريخ المغرب الذي أشار له النبهان أن الاندماج في الفضاء المغربي كان أهم عند الوفد وأعضائه من تعريف المغاربة بثقافة صحرائنا ولعل اختيار الكاتب الكبير والمناضل اباه ولد النينه اسم "باهي محمد" تعبير عن الولع بهذا الاندماج الذي مقتضاه التغاير في المحددات الأساسية للهوية ومنها الأسماء، وكثيرا ما سمعت عند أستاذنا الدكتور محمد المختار ولد الدمين تأففا واشمئزازا من المادة المتعلقة بموريتانيا في "معلمة المغرب" ويرى أن فيها من التخليط والأوهام عن القبائل الموريتانية والأعلام والأسماء والمعطيات ما يدل على أن مؤلفيها ينقلون عن وسائط رديئة وأنهم يفسرون ويحللون تحليلات لا علاقة لأصحابها بالواقع الموريتاني رغم أن المعلمة كما يقول ولد الدمين: كتبها وأشرف عليها مؤرخون كبار يشار إليهم في المغرب، وأقول: إن من يراجع طريقة كتابة أسماء الوفد الكريم المنضم للمغرب في مادة "موريتانيا والمغرب" يعرف أننا شعب وأنهم شعب لكننا أشقاء وإخوان في الرخاء والشدة، ومقتضى الأخوة إقالة عثرات ذوي الهيئات وإني أقيل عثرة شيخنا الريسوني، فلكل جواد كبوة، بل وأعتبره سلطان علماء في هذا العصر الكئيب، فلولا شجاعته الممدحة وجرأته المشهورة لما صرح بما يهمس به كل مثقفي المغرب لكنه تصريح لا يغير من الحقائق أعلاه شيئا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
 

تصفح أيضا...