غربة الإسلام وزلات الأعلام / إبراهيم الدويري

خميس, 19/05/2022 - 06:32

يزداد الإسلام غربة بين أهله يوما بعد يوم، ومن أعاجيب غربته ما كتب المفكر الفاضل محمد بن المختار الشنقيطي -من رأي ملتبس وتأويل متكلف- حول قضية عقدية محسومة بالنصوص الصريحة والاعتقاد المتواتر بشأن مصير الكفار في الآخرة.

ومن أعاجيب الغربة أيضا أن يستفهم بعض الناس بحسن نية أو سوئها عن مدى استعداد إخوان ومحبي الشنقيطي للرد عليه، حتى كأنه ليس المفكر الذي تكسرت في جسده "النصال على النصال"، فالمنصف المتابع يعلم أن الشنقيطي من أكثر المفكرين الذين تعاقبت أجيال الإسلاميين في الرد عليهم، من المراقب العام لإخوان سوريا الشيخ منير الغضبان رحمه الله إلى العلامة الشاب الدكتور إبراهيم الكلي حفظه الله.

رد هؤلاء الإسلاميون على الشنقيطي قبل أن ينتبه له الناقمون عليه من شلل الإلحاد وعصابات اليسار المتطرف، وأيتام الأنظمة القومية، وفلول الثورات المضادة، والدراويش من الأتباع الماديين لعلماء السلاطين، فقد جعل كل هؤلاء الشنقيطي "طريد جنايات تياسرْنَ لحمه" بينهم.

ولكثرة الرد على الشنقيطي والاحتساب عليه وعلى غيره من قادة الإسلاميين تساءل بعض الأصدقاء -وهو محق- عن مدى عصمة قادة الفكر والرأي ومشايخ العلم وزعماء التصوف من غير الإسلاميين العاملين، أو غياب التناصح لدى غير الحركات الإسلامية عموما، أما تيارات العلمنة والتغريب فقوم لا يتناهون عن منكر تسابقوا إليه ولا يأتمرون بمعروف تقاعسوا عنه، ولم تشهد أطروحاتهم ردودا ومراجعات في العقود السبعة الماضية ما عدا اتهامات بالتخوين المتبادل.

والتساؤل عن مدى الرد على الشنقيطي أمر عجيب وغريب في تاريخ الإسلام لا يطرحه عاقل يبصر ما يجري حوله أو مهتم يتهجى أبجدية الثقافة الإسلامية القائمة على الإقناع والمحاججة انطلاقا من مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و"معرفة الرجال بالحق"، وتقديم حق الخالق على حق الخلق.

ففي فضائنا الثقافي الشنقيطي انتبه العلامة محمد مولود ولد أحمد فال -رحمه الله- رغم كونه عاش في بيئة صحراوية متحدة المذهب في الفقه والمعتقد ولسلوك إلى ضرورة رد الأجلاء على الأجلاء، وأن ذلك لا ينقص من الراد أو المردود عليه ما خلص القصد وساد الشرع.

وقد مثّل لذلك برد التلاميذ على شيوخهم ولو كانوا بمنزلة مالك بن أنس أو على آبائهم ولو كانوا في رتبة ابني مالك وعاصم، فهذا الأمر مفروغ منه، فلا كهنوت في الإسلام، ولا ترديد لقول بعض الصوفية "سلم تسلم"، بل إن الإسلاميين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويفعلون ذلك وقلوبهم وجلة من سنة الاستبدال في قول الخالق سبحانه {فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا ليْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ}.

طبعا من المعلوم بالواقع المعيش ضرورة أن رد محبي الشنقيطي وتلامذته عليه أمر سهل بقدر سهولة ركل الشنقيطي عمامة سوء سائرة في ركب الطغاة، وكاتب هذا المقال وغيره ممن تربطهم به علاقة علمية أو فكرية في نقاش مستمر معه، وردود متواصلة بعضها يضن به على غير أهله وبعضها ينشر، ولم يمنعهم من ذلك إجلاله ومحبته فالنصح آية المحبة، كما لم يمنعهم الحياء من الشنقيطي الذي يرد المرء عليه ويغلظ له القول فيلقى الراد بقلب مخموم وصدر سليم ولسان عف وبر مبذول لا تكلف فيه، ولا لأني شخصيا أنتفع سلوكيا وإيمانيا بلقياه وتغشاني الرحمة والسكينة بمجالسته وتذكرني رؤيته بالله، وقليل من تلقاه من الناس هذه الأيام على هذه الشاكلة، والله يؤتي فضله من يشاء.

والشنقيطي مفكر كثير الأخطاء لسعة نشاطه وتواصل جهاده، لكنه محظوظ بفضلاء يبينون أخطاءه ويوضحون زلاته ويردون عليها ويشفون فيها الغليل، كما أنه ثمة آلاف المهرجين من أهل الفراغ والبطالة ينتظرونه طوابير على الطرقات لرميه بعظائم الأمور وصغائرها، ولولا قوة إيمانه وعمق إخلاصه لخر صريعا منذ أعوام لشدة القصف المركز عليه شخصيا وكثرة الرماة المنهالين عليه من أيام المنتديات إلى زمن انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، والله يعلم حجم ونوعية الردود والهجومات على الشنقيطي، فلكم رد عليه أفذاذ بإخلاص ونبل نفوس، وآخرون بتحامل وخبث طويات أحايين كثيرة، والله بكل شيء محيط.

وتحتاج أخطاء الشنقيطي المتكررة والغريبة من مسلم عامل بمنزلته العلمية والفكرية والرمزية ومتانة تدينه وعمق إيمانه أن يُتوقف مع أسبابها لا تسويغا ولا تفهما وإنما لفهم خلفياتها فذلك الطريق الصحيح للتصدي لها والوقاية منها في عصر غربة الإسلام وتواتر الخطوب.

السبب الأول في نظري يعود إلى اعتماد الشنقيطي معرفيا ومنهجيا على ثقافتين متنافرتين، إسلامية قامت على تقديس الخالق ومركزية الوحي والإيمان بالغيب، وغربية أساسها تأليه الإنسان وطغيان المادة والغرور العقلي.

ولا يخفي الشنقيطي احتفاءه بالمنهج المركب الذي يرى أن أصحابه يجمعون بين قلب الشرق وعقل الغرب، ولذا جعلهم "خيرة العقول المسلمة" في القرن الـ20، وهذا المنهج يتضمن "مزايا ورزايا" على غرار المنهج الذي كان سائدا في المشرق والمغرب حسبما تراءى للحافظ القاضي ابن العربي المالكي في أيامه وتجاربه الثقافية والعلمية بالشرق والغرب.

"فقد رأى ابن العربي أن في كل من الوضعين الشرقي والغربي مزايا ورزايا، إلا أن مزايا الوضع الثقافي بالمغرب هي سلامته، ورزيته في ركوده وجموده، وأن مزايا الوضع المشرقي هي حركته ونماؤه، ورزيته في فتنته وجحوده، ومع ذلك فإنه كان قوي الميل إلى المشرق عظيم الشغف والإعجاب به، شديد الدلال بمعرفته، قوي الاعتزاز بما طبع فيه المشرق من ملكات، وما أكسبه من مواهب ومقدرات، وكأنه كان يرى رزية الانكماش والقصور والركود صعبة العلاج بعيدة الزوال، لأنها تعطيل للأنظار وطبع على المدارك، فهيهات أن يستطيع محاول إصلاحها، وأن رزية التفرق والزيغ والجحود التي نزلت بالحياة الثقافية بالمشرق أقرب إلى الأمل في العلاج وأرجى للدفع والاقتلاع.." كما يقول مؤرخ الأفكار الجليل شيخنا محمد الفاضل ابن عاشور -رحمه الله تعالى- في "ومضات فكر" ص 141.

وهذه الخلاصة التي انتهى إليها ابن العربي في تحليله لوضعي المشرق والمغرب بمزاياه ورزاياه هي نفس العلة التي وقع فيها غريمه الشنقيطي الذي حمل على أسلوبه ومواقفه بشدة في "الخلافات السياسية بين الصحابة"، فجمع الإنسان بين ثقافتين قديما وحديثا يتضمن نفس المزايا والرزايا، فإتقان مناهج البحث الغربية وامتلاك ناصيتها فيه مزايا بحثية لا تنكر، وفيه رزايا لا تخفى بما تتضمن من حمولات ثقافية وشبه استشراقية تتسرب وتقتحم التداول الإسلامي ومعجم الباحث ولمثقف بطول المعايشة، وبقدر توفيق الله ومناعة المسلم العقدية يتحصن من تلك الشبه.

والشنقيطي أصيل الثقافة، لكن روحه الاقتحامية وتحرره الفطري وقلقه المعرفي تذهب به حيث ذهب أعلام أفذاذ أشهرهم أبو حامد الغزالي، فلم يرجعوا للجادة كما كانوا إلا بعد طول مجاهدة وتسليم، وهذه حالات ثقافية نادرة الوقوع، فأغلب الذين يسلكون مذاهب فكرية وفقهية في أول أمرهم يمضون على ذلك حتى النهاية، وفي هذا مزية الاتباع والسلامة مع رزية الجمود كما يرى ابن العربي.

أما التحول الفكري أو المذهبي الكاملان فإنه صعب المنال لألفة الإنسان بما يصوغ عقله أولا، وكثيرا ما أقول للأصدقاء إن التحولات المذهبية الحقيقية نادرة الوقوع، ومن نظر استدلالات الإمامين الشنقيطي المفسر وعلامة اليمن الشوكاني رأى مخايل صدق ما أقول.

والسبب الثاني لصيق بالأول أو متفرع عنه، وهو دراسة الشنقيطي المتعمقة لتاريخ الأديان ومقارنتها، فمن سبح في تلك اللجج وسلطت على فكره تلك الشبه العقلية المصوغة في قوالب منطقية رشيقة تجمع بين عمق الفلاسفة واحترافية المبشرين ستبقى في أنفه حساسية يثيرها غبار الشبه كلما ثارت، ولا سيما مباحث تكافؤ الأدلة وحواشيه، ومن توفيق الله للشنقيطي بعد تلك الرحلة الطويلة في تاريخ الأديان أن أوقفه في الفترة الأخيرة حارسا للإسلام من شبه تمسيحه فكريا وتهويده سياسيا.

والسبب الثالث: تأثير الواقع المعاصر بإشكالاته المختلفة من هيمنة الثقافة الغربية إلى التعايش مع غير المسلمين في الغرب أو في البلدان الإسلامية، وهذا ما يسميه الشنقيطي السياق، ويوليه أهمية كبيرة في تطبيقات الإسلام، ومنه قوله في توضيحاته الأخيرة "وأحكام الشرع لا تنفصل عن سياقاتها التطبيقية".

والسبب الرابع هو أن الشنقيطي -لكونه يحمل قلب داعية- يقدم أحيانا قوة الاقتناع على قوة الدليل، فإذا اقتنع بأمر حشد له من الأقوال ما تيسر وإن شذ، ومن الأدلة ما دعم الرأي وإن ضعف، وربما شغله ذلك عن بعض الأدلة البينة الصريحة، وهذا مسلك يؤدي إلى طوام تطبيقية في استثمار الأدلة وقفز على ما تقرر من ترتيبها أصوليا.

والسبب الأخير يتعلق بحسم الموقف من قواعد الاستدلال الأصولية قبولا أو رفضا فيتبع مناهجها في حال القبول، أو يصرح برفضها، فيبين منهجه الاستدلالي للتحاكم إليه في حال الخلاف.

إن الإسلام يعيش غربة بين أبنائه وجهلا منتشرا بين ذويه، فالأمية الدينية تستفحل باطراد، ومما يزيد خطورتها هذه الحرب المسعورة على ذوي الفطر السليمة لصدهم عن سبيل الله، وتشكيكهم في وجود خالقهم، وفي جدوى كتاب ربهم، وفي صحة سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهي حرب متصاعدة على ميادين مختلفة يتفرغ لها دعاة الضلال المحترفون واتحادات الشذوذ والكنائس ومنظمات اللغو والفضول، وتُنفق عليها ميزانيات أمم ومن أموال المسلمين أحيانا، والتصدي لها هو واجب الوقت، وهو أمر يشغل بال الشنقيطي منذ فترة، وفي سبيله أطلق مؤسسته "مشارق ومغارب" وبرنامج "العيادة الإيمانية" للتصدي للإلحاد ومظاهره مع أنشطة أخرى تأخذ جل وقته وتفكيره.

يتحتم على المسلمين وخيارهم -في هذا الجو التشكيكي المشحون- من العلماء والدعاة الذين يدفعون زهرات أعمارهم وراء القضبان أن يضاعفوا جهودهم للتمسك بالكتاب والتمسيك به، وأحسن الشنقيطي إذ قال "إن ما نحتاجه في هذا السياق المشحون بالتشكيك في الإسلام والسعي إلى محو معالمه الهادية والمتسم بتلاقي كل التحيزات الدينية واللادينية على رمي هذا الدين عن قوس واحدة هو التركيز على حصوننا المهددة من داخلها أكثر من التركيز على كسب قلوب الآخرين وتألفهم رغم أنه مقصد شرعي أيضا.

فهذا أوان التشمير للصد عن نصاعة رسالة الله الخاتمة وليس أوان التوفيق والتلفيق، وهو أوان دعوة الناس إلى دين الحق لا بناء مساحات مشتركة مع الأديان المحرفة".

تصفح أيضا...