عائدات موريتانيا المالية من الغاز: أي مستقبل للتنمية؟ (الجزء الأخير)

جمعة, 13/05/2022 - 20:04

المحور السادس: حول التحديات والفرص المرتبطة بالغاز
يمكن أن نجمل التحديات المرتبطة بالعائدات من الغاز كما يلي:
- يؤدي استغلال الثروات الطبيعية غير المتجددة إلى طفرة في الدخل قد تقود مع الوقت إلى العزوف عن الاستثمار والاهتمام بالقطاعات التي كانت منتجة في الفترة ما قبل بداية استغلال الثروة الطارئة ولأن هذه الثروة إلى زوال يوما ما فينبغي ألا نضحي بقطاعات الاقتصاد الإنتاجية فقط بمجرد أننا عثرنا على بدائل ظرفية.
- ينبغي الحذر من استخدام العائدات من الغاز لتعميق التفاوت بين مستويات المعيشة داخل المجتمع فما خرج النفط والغاز من مخبأيهما ببلد إلا ووجدا في الانتظار قرينين لهما: الغبن والفساد ولأن القرين الأول لا يتغذى إلا على قرينه الثاني فمسؤولية الحكومة والنخبة والمجتمع المدني هي بالأساس العمل على تجفيف منابع الأول عبر سد مسالك الثاني هذا إذا كنا بصدق نسعى إلى إخراج البلاد من براثين الفقر والتخلف. ليس ذلك بالمستحيل فبلدان عديدة تمكنت من توظيف أمثل لعائداتها من الثروات غير المتجددة بفضل مؤسساتها الصلبة وإدارتها الفعالة وحكامتها الشفافة وطبعا لم تنجح بلدان أخرى في الاستفادة من عائدات ثرواتها غير المتجددة بسبب الفساد المستشري وتحولت الدولة فيها مع الوقت وثراء وفساد النخبة الحاكمة إلى كيان فاشل تنخره الأزمات ويعجز عن تأمين خدمات أساسية لمواطنيه.
- ينبغي الحذر من استخدام عائدات الغاز في نفقات غير ضرورية والركون إلى تبديد العائدات (السهلة) وعندنا تجارب في هذا المجال فالمتتبع لمستوى السحوبات من الصندوق الوطني لعائدات المحروقات خلال السنوات الماضية يلاحظ التناسب الطردي بين تحسن رصيد الصندوق وتكرار السحوبات لتمويل الميزانية ففي 2018 على سبيل المثال سددت Exxon Mobile و Shell مبلغ 145 مليون دولار كمنح توقيع وبلغ بالتالي رصيد الصندوق في 31 ديسمبر 2018 مستوى 168 مليون دولار وهو ما أدى إلى قيام  الدولة خلال سنة 2019 بستة سحوبات بإجمالي 146 مليون دولار وقد تلافت الدولة تلك الوتيرة في 2020 حين لم تسحب سوى 27 مليون دولار وكان الرصيد في 31 ديسمبر 2019 عند مستوى 83 مليون دولار وننتظر صدور تقرير الصندوق لسنة 2021 والمتوقع في الشهر القادم لمعرفة حجم السحوبات خلال العام الماضي.
- سيقود استغلال الغاز إلى ارتفاع كبير لإيرادات ميزانية الدولة ما سيخلق مع الوقت تبعية الميزانية لعائد غير مضمون بحكم تقلبات الأسعار في السوق العالمي وهو ما قد يخلق وضعا غير مستقر بالنسبة للتوقعات وينبغي لتجنبه بذل جهد مضاعف لتثبيت إطار الميزانية بما يضمن استدامة للنمو تساعد على الإنتاجية وخلق فرص الشغل وإبقاء المديونية في مستوى مستديم.
- ستعاني تنافسية صادراتنا من السلع والبضائع والخدمات (حين توجد طبعا، حيث لا نصدر حاليا إلا موادا خام) من تحسن سعر صرف الأوقية الناتج عن صادرات الغاز وهو ما سيكون له أثر سلبي على الصادرات من غير الغاز.
- لا تشغل الصناعة المرتبطة بالبترول والغاز يدا عاملة كثيفة فهذه الصناعة في كل أنحاء العالم هي صناعة كثيفة برأس المال ولأن الرواتب التي تصرفها الشركات البترولية رواتب جد مرتفعة مقارنة بمعدلات الرواتب في سوق العمل المحلي فسيكون هناك مع الوقت أثر تصحيحي بنسق تصاعدي للرواتب في القطاعين العام والخاص وسيكون ذلك على حساب القدرة على خلق الوظائف وعلى تنافسية البلد.
وبخصوص الفرص المرتبطة بالعائدات من الغاز فيمكن أن نجملها كما يلي:
- الخروج بالبلاد من مستنقع الفقر ويتطلب ذلك اعتماد خيارات صائبة وتجنب المخاطر الواردة بفقرة التحديات السابقة وهنا وضمن تدخلات الصندوق السيادي المقترح في جانب إنشاء وتطوير البنى التحتية الخدمية والإنتاجية ينبغي استهداف مناطق الإنتاج والوسط الهش عبر استثمارات مكثفة وهو ما يتطلب إصلاحا شاملا لوكالة تآزر التي تعثرت منذ البداية رغم وجاهة ونبل فكرة إنشائها وكفاءة العديد من أطقمها إلا أنها ولدت بتشوهات خلقية مرتبطة بالارتجالية في صياغة نموذج أعمالها وبمنظومة حكامتها وبتنظيم هياكلها حيث لا يعطي المرسوم 385-2019 المنشئ لها والمحدد لمهامها وهو المرسوم الذي لا وجود له على موقع تآزر الاليكتروني تصورا يعكس الطموحات والآمال التي صاحبت الإعلان عن تأسيسها  وهو ما حولها إلى مجرد وحدة إدارية بيروقراطية تماما كوزارة الخارجية أو وزارة الشؤون الاجتماعية في وقت كان المؤمل منها غير ذلك. أعتقد أن هذه الوكالة ينبغي توجيهها نحو تنفيذ الأشغال وتهيئتها لذلك في شتى ميادين تدخلها وهي الميادين التي من الضروري مراجعتها سبيلا للمزيد من تركيز جهود استهداف الفقر والتي ينبغي أن يكون من ضمنها خاق ودعم ومواكبة المقاولات الشبابية الصغيرة بالوسط الهش.  
- حل المعضلات الرئيسية للاقتصاد الوطني عبر الاستثمار المكثف والموجه لتمتين صلابة الأسس الاقتصادية في القطاعات الرئيسية ذات المقدرات الكبيرة وذات الأثر الاجتماعي المعتبر، سيكون الغاز نعمة للبلد حين ننجح في استثمار جزء من عائداته في أصول إنتاجية مستديمة كالاستصلاحات الزراعية والسدود وشبكات المياه والبنى التحتية في النقل وفي الصيد البحري وفي الكهرباء وفي الصناعات التحويلية وفي التعليم والتكوين المهني وسيكون ذلك ضامنا لنقلة اقتصادية واجتماعية للبلد ولأجياله الحالية كما سيضمن أن نورث لأبنائنا وأحفادنا اقتصادا بأسس صلبة وغير خاضع للموارد غير المتجددة ولا لتقلبات الأسواق العالمية.
- ستمكن مقاربة الأقطاب الصناعية بمناطق الإنتاج من تطوير وتجذير اللامركزية بتحويلها من أداة سياسية للحكامة الإدارية إلى أداة للتنمية بالجهات حتى نتمكن من جسر الهوة في التفاوت في مستويات التنمية الجهوية ونضمن للمواطن الموريتاني عيشا كريما ومستوى مقبول من الخدمات الأساسية في مختلف جهات الوطن.
- سيمكن تزويد البلاد من حاجياتها من الغاز وهو التزام تعاقدي للشركات المطورة والمستغلة مستقبلا لحقل السلحفاة من حل مشكل إنتاج الكهرباء من جهة وتحسين معدل الخليط الطاقوي للبلد والذي يقارب 40% حاليا.  
- سنتمكن بفضل عائدات الغاز – إن أحسنا التدبير- من تعزيز استقلالنا بالاستغناء عن أشكال من الدعم في ثوب هبات غالبا ما تكون بمبالغ مهينة ويصاحبها تسويق إعلامي يمس من كرامة الشعب وهيبة الدولة.
الخلاصة:
تقف موريتانيا اليوم على عتبة موعد حاسم من مسيرتها وهو موعد يتطلب من كل قوى المجتمع ومؤسساته تقدير خصوصية الظرفية وتشعب الاستحقاقات والتحديات والعمل بأكبر قدر من الانسجام حتى لا نضيع فرصة ليست هي الأولى التي ضيعنا ولكنها قد لا تتكرر. صحيح أن استغلال الغاز وجني عائدات معتبرة منه لن يكون عصا سحرية لحل كل إشكالاتنا التنموية والاجتماعية ولكنه سيعطي نتائج تحمل العديد من الحلول لمشاكلنا شريطة أن نتجنب المنزلقات الخطيرة التي اندفعت نحوها عدة دول حين بدأت إنتاج وتصدير الغاز أو البترول والتي استعرضنا بعضا منها في فقرة التحديات.
ستحصل موريتانيا بفضل عائداتها من الغاز على مستوى من التنمية ستحدده خياراتها في الحكامة السياسية والاقتصادية وفي شفافية وعقلانية مساطر الإنفاق العمومي وفي قوة المؤسسات الرقابية والتنفيذية وفي فعالية الإدارة العمومية وفي استقلالية ومهنية القضاء وفي مهنية واستقلالية القضاء وفي استقلالية وفي مهنية القضاء.

تصفح أيضا...