إطلالة على المسار التاريخي للإصلاحات التربوية / عالي ولد أندكجلي، مفتش تربوي

ثلاثاء, 19/10/2021 - 20:08

لأكثر من خمسة عقود وموريتانيا، وكذلك حال باقي دول العالم تحاول أن تحسن من مردود نظامها التربوي، وتطمح أن تتمكن في آفاق 2015 من توفير التعليم للجميع، استجابة لالتزام اليونيسكو الذي يهدف لتأمين تعليم نوعي لجميع الأطفال والشباب والبالغين. وفي هذا السياق سنحاول أن نتتبع المسار التاريخي للنظام التربوي في بلادنا.
لقد عرفت موريتانيا منذ فجر الاستقلال وحتى اليوم خمسة اصلاحات تربوية كانت في معظمها إصلاحات سياسية لغوية.

1 – اصلاح 1959: أول عمل سياسي لغوي.
 جاء هذا الإصلاح ليوائم بين النصوص الدستورية والنظام التربوي، وذلك بإعادة الاعتبار للغة العربية حيث تم رفع توقيتها قليلا ليصل إلى 10 ساعات من أصل 30 ساعة أسبوعيا بعدما كان 4 ساعات فقط مع المحافظة على البنى التربوية للتعليم الأساسي وكذلك الثانوي، حيث ظلت تقفو البنى التربوية في فرنسا.

2 -اصلاح 1967: اعتماد الازدواجية اللغوية
جاء هذا الإصلاح ردا سياسيا واستراتيجيا على الأحداث التي أرغمت النظام على اعتماد ازدواجية التعليم وقد اقره حزب الشعب الموريتاني خلال مؤتمره العادي الثاني (من 24 حتى 26 يونيو 1966). لم تتغير البرامج وظلت مطابقة للبرامج في فرنسا.
ويتميز هذا الإصلاح بإدخال سنة أولى عربية إجبارية على الجميع، وهو فصل إضافي زائد على السلك الابتدائي، ويستمر حتى السنة السابعة ليكتمل السلك و قد أطلق عليه (التعليم الأساسي).
و مع أن هذين القرارين يشكلان عناصري القوة السياسية اللغوية للبلد إلا أنهما لم ينجحا في التخفيف من حدة توتر المجتمع.

3 - إصلاح 1973: من الازدواجية إلى التعريب.
لقد تم إقرار هذا الإصلاح في أجواء يطبعها التوتر الاثني، وتدهور العلاقات مع القوة المستعمرة القديمة ولم يعد نظام الازدواجية الذي تم إقراره سوى محطة للتحول نحو التعريب النهائي، مما سيدفع الوضع القائم والمترهل أصلا نحو مزيد من الانقسام العرقي، حيث سيتم في مرحلة أولى التعريب الشامل للتعليم الأساسي مع إدخال الفرنسية ابتداء من السنة الثالثة ويحافظ على السنة السادسة دون تغيير، وفي هذا الإصلاح تم إقرار 180 ساعة توقيتا اجماليا للسلك منحت العربية 120 ساعة مقابل 60 ساعة للفرنسية كما اختزل السلك في 6 سنوات بدل 7، أما التعليم الثانوي فقد تم تقسيمه الى شعبتين شعبة عربية وشعبة مزدوجة.

4 - إصلاح 1979: اللغات الوطنية.
في هذه المرحلة عرفت البلاد أول انقلاب عسكري يوم 10 يوليو 1978 وقد مهد لمرحلة من عدم الاستقرار السياسي على خلفية حرب الصحراء الغربية.
بارك الحكام الجدد ( اللجنة الوطنية للخلاص الوطني) التوجهات اللغوية التي أقرها إصلاح 1973.
حيث تضمن التعميم 002 الصادر في شهر ابريل 1979 عن وزارة التعليم الأساسي والثانوي زيادة في ضارب اللغة العربية وكذلك المواد المدرسة بها.
تسبب هذا التعميم في موجة من الاضطرابات دفعت الحكام الجدد إلى الإعلان عن الإصلاح الرابع للنظام التربوي وتضمن المحضر رقم 40 الصادر بتاريخ 18 أكتوبر1979 إنشاء معهد لكتابة وتنمية اللغات الوطنية.
تم إنشاء المعهد سنة 1979 بالمرسوم رقم 79348 الصادر بتاريخ 12/12/ 1979  
وتلخصت مهمته في كتابة اللغات الوطنية بالحروف اللاتينية ثم التحضير لإدخالها في النظام التربوي الوطني. 
يفتتح المعهد سنة 1981 ومع افتتاح السنة 1982 يتم تجريب 12 قسما بالبولارية والصوننكية والولفية في انواكشوط وولايات الضفة حيث تتجمع المجتمعات الزنجية بكثافة عالية.
وعلاوة على ذلك سيتواصل مسلسل التعريب وينقسم التعليم الأساسي إلى شعبتين عربية ومزدوجة على غرار التعليم الثانوي.
أضف إلى ذلك بعض التعقيدات التي صاحبت تعريب النظام، فاللغة الفرنسية في الشعبتين يبدأ تدريسها من السنة الثانية أما السنة الأولى فقد اعتبرت جذعا مشتركا والتعليم فيها باللغة العربية.
وأما التوقيت فإن الشعبة العربية تأخذ 20 ساعة من الفرنسية على امتداد السلك الأساسي بينما تأخذ الشعبة المزدوجة 55 ساعة من العربية.
أما خيار التوجيه إلى احدى الشعبتين فحسب القومية حيث يوجه أبناء القومية العربية تلقائيا الى الشعبة العربية بينما يمنح أبناء القوميات الزنجية الخياريين الشعبتين، وهكذا حافظت اللغة الفرنسية على مكانتها كلغة انفتاح على القوميات الوطنية، وقد ساهم هذا الخيار في إرضاء هذه القوميات التي قاومت مسلسل التعريب بشراسة، وبذلك تحافظ اللغة الفرنسية على مكانتها كلغة تواصل اجتماعي. 

5 - إصلاح 1999: إعادة تأسيس النظام التربوي.
قررت الجمهورية الإسلامية الموريتانية تحديث نظامها التربوي باعتماد إصلاح هيكلي رائد تم تجسيده من خلال   قانون صدار في إبريل 1999. 
يؤكد هذا الإصلاح على الأهمية المعطاة للغة العربية والمرتكزات الثقافية الوطنية ويضع النظام التربوي على طريق التحديث والانفتاح لكي تكون المدرسة في خدمة التنمية، وأدخلت تغييرات تندرج في سياسة تحسين نوعية التعليم :
‏    توحيد النظام التربوي: إلغاء الشعبتين اللغويتين اللتين تم إنشاؤهما في الإصلاح 1979 واعتماد الشعبة الواحدة المزدوجة.
‏    تمديد فترة تعليم السلك الأول من التعليم الثانوي لتصبح 4 سنوات بدل 3.
‏    دعم تدريس العلوم وإدخال الفيزياء والمعلوماتية في السلك الأول من التعليم الثانوي.
‏    دعم تدريس اللغات الأجنبية (الفرنسية والإنجليزية). 
      
لقد سمحت لنا هذه الإطلالة بإلقاء نظرة ولو سريعة على المحاولات التي سعت من خلالها الأنظمة المتعاقبة إلى تقديم حلول للاختلالات التي رافقت النظام التربوي الوطني منذ استلام المدرسة العمومية من القوة الاستعمارية وحتى يومنا هذا. وعلاوة على ذلك أثارت فينا جملة من التساؤلات نراها واردة خصوصا ونحن نقف على عتبة الإصلاح السادس الذي تساومه البلاد منذ حين.
فأين يكمن الخلل يا ترى؟ في المناهج، في المقاربات المعتمدة، في هيئات القيادة، في هيئات التدريس، في هيئات التأطير التربوي، في الخريطة المدرسية، في البنى التحتية والتجهيزات، في قيام تعليم حر تجاوز سن الفطام ولا يزال يتوكأ على أكتاف التعليم العمومي الوهن، في نقص الوسائل المادية وتدني دخل المدرس ....  ربما ..... أم منوط بالعقليات وتلك طامة كبرى.... 
فهل سيجيب الإصلاح المنظور على التساؤلات التي أعيت سابقيه؟ 

                                كيهيدي بتاريخ 19 أكتوبر 2021

تصفح أيضا...