عقدويو التعليم.. والترسيم الصعب !

أحد, 10/01/2021 - 14:18

تشهد الساحة الوطنية منذ أكثر من أسبوعين احتجاجات تنظمها نقابات "مقدمو خدمة التعليم" وقد انقسم الشارع الوطني بين مؤيد لمطالب المحتجين مطالب الحكومة بالاستجابة لها، ومعارض يرى فيها تجاوزا من "مقدمي الخدمة" فهم لم يكملوا مدة التكوين في "المدرسة العليا للتعليم" والتي تعهدت الوزارة بإخضاعهم بعدها لمسابقة ثم ترسيم الناجحين منهم، الأمر الذي رفضه مقدمو الخدمة، وطالبوا أن يكون ترسيمهم دفعة واحدة، ولكي نفهم المشكلة لابد من العودة لنصوص قانون الشغل الذي يقسم الموظفين غير الرسميين إلى متعاقدين دائمين يتم اختيارهم بمسابقة ثم ترسيمهم في أجل أقصاه خمس سنوات مع حصولهم على كامل الامتيازات التي يحصل عليها العمال الرسميون، ومتقاعدين غير دائمين يتم تجديد عقودهم كل عام دراسي، وقد بلغ عدد المعلمين العقدويين في عام 2015م قرابة 5000 مدرس لحظتها تعهد الرئيس السابق: محمد ولد عبد العزيز بإدماجهم في الوظيفة العمومية دفعة واحدة، بيد أن مشورة من وزير المالية آنذاك: المختار ولد انجاي أجهضت آمالهم، فقد بين للرئيس أن الميزانية العامة للدولة غير قادرة على استيعاب الكم الكبير من العقدويين دفعة واحدة وأن ترسيمهم ينبغي أن يكون على دفعات، الأمر الذي رفضه عقدويو التعليم واستقال معظمهم، ما أدى بوزير التهذيب للإيعاز للمدراء الجهويين للتعليم باختيار "معلمين عقدويين" من ولاياتهم وإخضاعهم لتكوين سريع. استقالت الحكومة بعد انتخاب الرئيس: محمد ولد الغزواني الذي تعهد في برنامجه الانتخابي بخلق 30.000 وظيفة في مأموريته الأولى، وتنفيذا لتلك التوجيهات نظمت وزارة التهذيب مسابقة شارك فيها 20.000 متسابق تم اختيار 5.000 منهم وجرى تكوينهم تكوينا سريعا ثم عرضت عليهم صيغة العقد "الامتيازات والواجبات" لكن التوقيع عليه لا يكون إلا عند الإدارة الجهوية وذلك بعد توزيعهم على ولايات الوطن، رفض بعضهم التوقيع عليه وقدم استقالته فورا وقبل أغلبهم التوقيع على العقد ما حدا بالوزارة أن تنظم مسابقة أخرى لسد النقص الحاصل بسبب رفض البعض التوقيع، انتهى العام ومعه انتهى العقد لتطلب منهم الوزارة الحضور إلى أماكن عملهم فعقدهم محفوظ، رفضوا تجديد عقودهم إلا بشروط جديدة ترفضها الوزارة وتستدعي جيش الاحتياط لديها من مدرسين تم تفريغهم وآخرين امتلأت منهم الإدارات أو تم تحويلهم بطرق غير قانونية إلى مؤسسات لا تحتاجهم، فهل تضع بذلك حدا للفساد والتلاعب الذي طغى في السنين الماضية؟  أم أنها مجرد مناورة تريد بها الضغط على "مقدمي خدمة التعليم" ليقبلوا العودة إلى مدارسهم؟ ستكشف لنا الأيام مدى جدية الوزارة في تنفيذ برامجها والواقع أن أغلب المدرسين استغلوا "الوساطة" واستخدموا "الرشوة" ليدرسوا في المدن الكبرى حيث الفرص أكبر وساعات العمل أقل، ما أدى لنقص كبير في أعداد المدرسين في الأرياف والولايات البعيدة من المركز، الشيء الذي أدى بالوزارة لزيادة علاوة البعد ثم ضاعفها رئيس الجمهورية في خطاب الذكرى الستين لعيد الاستقلال لتتضاعف مرتين في عام واحد، كل ذلك لتحفيز المدرسين وتشجيعهم على البقاء في أماكن عملهم، كما اعتبرت الوزارة أي تحويل لا يتم عبر الأطر القانونية ملغى، كما تم في عهد الرئيس السابق: محمد ولد عبد العزيز  محاربة التقري العشوائي الذي كان يهدر طاقات الوزارة بابتعاثها مدرسين لقرى لا يقطنها مائة نسمة، بيد أن كل ما سبق لا يلغي حاجة الدولة لمدرسين جدد، وترسيم "مقدمي خدمة التعليم" في آجال محددة ووفق شروط تتفق عليها الوزارة وممثليهم واستفادتهم من العلاوات التي يحصل عليها الموظفون الرسميون وهم يعملون في نفس الظروف مطالب محقة، فالمؤسسات التعليمية بحاجة ماسة لخدماتهم ولا سيما في الولايات الداخلية، أما التخلي عنهم واستبدالهم بعمال آخرين فهو أمر غير وارد وفيه هدر لطاقات الوزارة، إضافة إلى أنه يترك انطباعا سلبيا في نفوس الشباب الراغب في الوظيفة والباحث عنها من أيسر الطرق وأكثرها مردودية ويحرم آخرين تجاوزت أعمارهم السن القانونية لولوج الوظيفة من العمل، فعلى المسؤولين في البلد التفكير جديا في مستقبل مواطنيهم "مقدمي خدمة التعليم" قبل اتخاذ أي قرار بشأنهم، أما السؤال الذي لم نجد عليه إجابة هو: هل حسب وزير الشغل "مقدمو خدمة التعليم" من الحاصلين على فرص عمل هذا العام؟ وإن كان فعل فإن التراجع عن تشغيلهم يعد انتكاسة للوزاتين، العدد الذي قدم وزير الشغل للحاصلين على فرص عمل هذا العام كبير 20555 وقد أثار سخرية بعض المدونين لكننا نعتقد بصحته إذا علمنا أن ميدان الوزير أوسع من ميدان نظيره وزير الوظيفة العمومية، فهو بالرقم المذكور يكون حسب "مقدمي خدمة التعليم" والعاملين بالمناجم (الحديد -الذهب -النحاس -الفوسفات...) والعاملين بحقل غاز "السلحفاة" المشترك مع السنغال، وكذلك العاملين في الصيد البحري والزراعة الذين وظفتهم الحكومة ووفرت لهم الدعم، والرقم لا يشمل المنقبين عن الذهب والمعادن النفيسة والعاملين بالقطاع الخاص، فموريتانيا بلد زاخر بالخيرات ينقصه التسيير المعقلن للموارد وحمايتها من نهب الشركات العابرة، ريثما ينتشر الوعي ويكون المواطنون قادرين على استخراج ثرواتهم بأنفسهم والاستفادة الكاملة منها.

عبدالله محمد الفلالي / مدرس تعليم أساسي

تصفح أيضا...