كورونا: ما الأفضل للتغلب على الوباء اللقاح أم مناعة القطيع؟

أحد, 29/11/2020 - 13:33

بذل الناس على مر العصور محاولات مضنية لتجنب الإصابة بالأمراض، وذهبوا في ذلك إلى أبعد مدى.
فقد اشتهر في العصور الوسطى على سبيل المثال، محلول خل التفاح المخلوط بالأعشاب، الذي كان الناس يضعونة على أيديهم ووجوههم قبل مغادرة المنزل لدرء مخاطر الطاعون. ويقال إن مجموعة من لصوص القبور ابتكروا هذه التركيبة حتى لا يصابوا بالمرض.
وفي القرن السادس عشر، ابتكر الطبيب كوينتو تيبريو أنغيليريو في جزيرة سردينيا الإيطالية، فكرة بارعة للحفاظ على التباعد الاجتماعي، مفادها أن "يحمل كل شخص قبل الخروج من المنزل عصا طولها ستة أشبار، على أن يبتعد المرء عن الآخرين مسافة تعادل طول هذه العصا".

وفي عام 1793، أخلت الحكومة الأمريكية أحياء كاملة من فيلاديلفيا، العاصمة آنذاك، لحماية السكان من تفشي الحمى الصفراء، ونزح من المدينة نحو 20,000 شخص على مدى شهر، أي نصف السكان آنذاك.

ولعل هذا يدل على أن الناس كانوا يدركون، قبل قرون من اكتشاف الكائنات المجهرية والأجسام المضادة أو اللقاحات، ضرورة تجنب الإصابة بالعدوى بأي ثمن.
لكن في عام 2020، لاقى هذا الاعتقاد بعض الانتقادات. فقد اقترح بعض الناس، منذ بداية وباء كوفيد-19، استراتيجية خطيرة ومشكوك في صحتها، لتعريض الناس للعدوى الفيروسية عمدا، لتسريع وتيرة عودة الحياة إلى طبيعتها. وانتشرت مصطلحات جديدة للتعبير عن هذه الإستراتيجية الجديدة، مثل "جواز السفر المناعي" و"مناعة القطيع". ووصف أصحاب هذا الرأي انخفاض عدد الأجسام المضادة في أجسام الناس- الذي يدل على انخفاض عدد المصابين- بأنه إخفاق وليس نجاحا.
ووقّع عدد من العلماء على بيان مثير للجدل، أطلق عليه "إعلان بارينغتون العظيم"، انتقدوا فيه مواصلة فرض تدابير الإغلاق الشامل وطالبوا بفرض ما أطلقوا عليه "حماية مركزة". ويرى عالما الأوبئة والخبير الاقتصادي الصحي الذين حرروا هذا الإعلان، أن الطريقة الأفضل لمكافحة الوباء هي: "السماح للأشخاص الأٌقل عرضة للموت جراء الإصابة بالمرض بأن يعيشوا حياتهم كالمعتاد ويكتسبوا مناعة من الفيروس بعد الإصابة الطبيعية بالعدوى، وتوفير الحماية الكافية للأشخاص الأكثر عرضة للموت من المرض".
وقد جُمعت آلاف التوقيعات على هذا البيان منذ أن كشف عنه النقاب رسميا، لكن بعض العلماء في المقابل فنّدوا الكثير من بنود هذا الإعلان.

وطبقت وكالة الصحة العامة في السويد نهجا مماثلا في تعاملها مع كوفيد-19، وصف بأنه الأكثر تساهلا في أوروبا. فبالرغم من أن السويد فرضت الحجر الصحي حاليا للمرة الأولى، فإن حياة سكانها لم تتأثر قط معظم العام الماضي، لدرجة أن أنديرز تيغنيل، كبير علماء الأوبئة بالوكالة، كان ينتقد الكمامات ويشجع الناس على عدم ارتدائها في الأماكن العامة. وظلت الحانات وصالات الألعاب الرياضية والمتاجر والمطاعم في الدولة تعج بالرواد في وقت كانت فيه معظم الشعوب الأوروبية حبيسة المنازل.
وفي يوليو/تموز، زعمت وكالة الصحة العامة في الدولة أن نسبة المناعة في العاصمة ستوكهولم وصلت إلى 40 في المئة وأنها في طريقها لدحر الفيروس.
وقد لاح في الأفق لقاحان على الأقل، ويتوقع عالم المناعة الألماني الذي طور لقاح فايزر بيونتيك، أن يختفي الوباء في الشتاء المقبل.
لكن حتى الآن، لا تزال حالات الإصابة بكوفيد-19 ترتفع بوتيرة متسارعة في الولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والمملكة المتحدة والهند والمكسيك والسويد واليونان. وحولت روسيا حلبة تزلج إلى مستشفى لمواجهة الزيادة في أعداد المرضى، ولم تعد المقابر في جاكرتا تكفي لاستيعاب ضحايا كوفيد-19. وأعلنت إسبانيا حالة طوارئ وطنية. وتشهد أمريكا، ما وصف بأنه قفزة كبيرة أخيرة في أعداد الإصابات.
وبما أن العلماء يقفون الآن على مفترق طرق، فمنهم من يرى ضرورة الإغلاق ومنهم من يرى أهمية مناعة القطيع، سنعرض فيما يلي بعض الأسباب التي يسوقها الخبراء المؤيدون بشدة لتدابير الإغلاق الشامل، ولماذا ينبغي عليك أن تتجنب الإصابة بأي نوع من الأمراض عمدا.

اللقاحات قد تكون أكثر فعالية في الوقاية من الأمراض

 

في عام 2009، ظهرت سلالة جديدة من فيروس الإنفلونزا في مرزعة خنازير شرقي المكسيك. وكانت الخنازير تسعل بصوت عميق ومرتفع، ثم عانت على مدى الأيام اللاحقة من احمرار العين وإفرازات لزجة من الأنف، وكانت غير قادرة بشكل عام على النهوض. لكن بعض الخنازير لم تظهر عليها أية أعراض.
وفي أحد الأيام، يُعتقد أن الفيروس انتقل من أحد الخنازير إلى إنسان في قرية مجاورة، يقال إنه طفل في السادسة من عمره أو فتاة رضيعة. وبعدها اجتاح الفيروس العالم. وفي مايو/أيار، انتشر الفيروس في 18 دولة. وفي يوليو/تموز، ظهرت حالات في 168 دولة في جميع قارات العالم.
لكن في الوقت نفسه، لوحظ أثر عجيب للفيروس، إذ اكتسب المصابون بهذا الفيروس الغامض، مناعة شاملة ضد سائر أنواع الإنفلونزا.
فأجهزة المناعة في الجسم تطلق في الغالب أجساما مضادة تستهدف رأس بروتين هيماغلوتينين السطحي على الفيروس. لكن المشكلة أن فيروس الإنفلونزا من المعروف أنه عدو مخادع، ويغير رأس البروتين باستمرار. ولهذا فإن الجسم يكتسب عادة مناعة ضد السلالة التي تعرض لها جهاز المناعة فقط. أما سائر السلالات فلا يمكن لجهاز المناعة التعرف عليها، ومن ثم قد نصاب بالإنفلونزا مرات عديدة متتابعة. ولهذا من الضروري أن يحصل الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بمضاعفات العدوى على التطعيم سنويا.
لكن في حالة إنفلونزا الخنازير، لم تستخدم أجهزة المناعة أسلوبها الدفاعي الخاطئ المعتاد، واستهدفت في المقابل المنطقة الثابتة والمستقرة من البروتين السطحي للفيروس التي يطلق عليها الجذع.

مناعة القطيع تتحقق عادة من خلال اللقاحات

 

في بداية الوباء، كانت إيطاليا واحدة من أكثر البلدان تضررا من المرض على وجه الأرض، وأصبحت مقاطعة بيرغامو شمالي إيطاليا، التي يبلغ عدد سكانها 1.1 مليون نسمة، بؤرة الوباء. وواجه الأطباء في المدينة، التي اشتهرت ببساتين العنب وعمارة العصور الوسطى، معضلات أخلاقية للإبقاء على حياة بعض المرضى على حساب آخرين بسبب نقص الأسرّة في أقسام العناية المركزة. ويقال إن الكثير من كبار السن لفظوا أنفاسهم الأخيرة بمفردهم.
وفي سبتمبر/أيلول، أشارت تقديرات العلماء إلى أن نحو 38.5 في المئة من سكان بيرغامو لديهم أجسام مضادة لفيروس كوفيد-19، وهذا يدل على أن نحو 420 ألف شخص في المقاطعة أصيبوا بالمرض. ولا توجد مدينة تضاهي بيرغامو في هذه النسبة المرتفعة من الإصابات سوى مدينة ماناوس البرازيلية، التي يقدر عدد الأشخاص الذين لديهم أجسام مضادة فيها بنحو 66 في المئة من السكان، بالإضافة إلى بضعة مدن أخرى.
لكن حالات الإصابة بكوفيد-19 تراجعت كثيرا في المدينتين، ربما بسبب مناعة القطيع. لكن هذا النوع من المناعة قد يتحقق عادة باللقاحات لأسباب عديدة.

 

أولا تُعرف مناعة القطيع بأنها المقاومة التي يكتسبها الناس وسط مجموعة سكانية ضد مرض معين عن طريق تعرض جهاز المناعة للفيروس. ولا تقضي مناعة القطيع على الفيروسات تماما، لكنها تحد من انتشارها في حال كانت معدية. فإذا كان بعض الناس عرضة للإصابة بمرض معين، ستحد مناعة القطيع من فرص تعرضهم للفيروس.
ويتطلب تحقيق مناعة القطيع في مجموعة سكانية، اكتساب نسبة معينة من السكان مناعة ضد المرض من خلال إنتاج أجسام مضادة، لكن هذه النسبة تعتمد على مؤشر التكاثر، أي عدد الأشخاص الذين قد ينقل لهم مريض واحد العدوى. وكلما ارتفع هذا الرقم، زاد عدد الأشخاص الذين ينبغي أن تكون لديهم أجسام مضادة حتى تتحقق مناعة القطيع. فمناعة القطيع ضد مرض الحصبة، الذي قد ينقل المصاب به الفيروس لنحو 15 شخصا، تتطلب وقاية ما يتراوح بين 90 إلى 95 في المئة من السكان.

 

 

المصدر : بي بي سي

تصفح أيضا...