زيارة "امبود" المحك الحقيقي لبرنامج تعهداتي/ د. يربان الحسين الخراشي

أحد, 15/11/2020 - 16:45

تعد مقاطعة امبود إحدى أكبر مقاطعات الوطن من حيث المساحة وعدد السكان، حيث تغطي مساحتها حوالي 5400 كيلومترمربع مع حجم سكاني يقدر بحوالي 120 ألف نسمة، وتعاني المقاطعة بشكل شبه شامل وعميق من تأثيرات الجهل المتوارث والفقر المتوارث، إذ تعد أفقر مقاطعة على المستوى الوطني حسب بيانات وكالة التآزرالتي سجلت أكثر من 7500 أسرة فقيرة في الحيز الجغرافي للمقاطعة، وذلك رغم احتضانها لأحد أكبر السدود في شبه المنطقة، ورغم كونها تتوسط سهول منطقة آفطوط الواسعة والخصبة.
زيارة فخامة رئيس الجمهورية لولاية كوركول تكتسي أهمية استثنائية، بصفتها مدخلا لتعزيز الوحدة الوطنية بعد التعهد بحل مشاكل الإحصاء في الضفة في ظل ظرفية استثنائية إقليميا شمالا وشرقا، كما تحمل هذه الزيارة دلالات عميقة سواء على الصعيد التربوي وبداية عهد المدرسة الجمهورية من مدينة قلب مثلث الفقر امبود، أوبالنسبة لأهمية المشاريع التنموية المعلن عنها، بالإضافة إلى تصادفها مع اليوم العالمي للتسامح، وتأتي الزيارة الجديدة للرئيس بعد زيارة تفقد وإطلاع لولاية تيرس الزمور، حيث الحديد والذهب المادتين الأكثر استفادة من جائحة كورونا، وقد تشكلان ركيزة رافعة للاقتصاد الوطني إن نحن غيرنا من طريقة تفكيرنا حول عالم ما بعد الجائحة.

 الزيارة ورغم حالة التفاؤل التي تسيطر على غالبية سكان الولاية، وخاصة سكان مقاطعة امبود، و رغم ردود الفعل الإيجابية من مختلف أطياف الطبقة السياسية المحلية إلا أنه في المقابل هناك جملة تحديات رئيسية تتعلق بالتطلعات لوضع اللبنة الأولى لمشروع التكامل الاقتصادي الجهوي، وتقليص التفاوت التنموي المناطقيي، والرفع من الطبقات المهمشة محليا، وهذا ما قد يجعل برنامج "تعهداتي" أمام محك حقيقي لأول مرة بعد أكثر من سنة على إطلاقه، وعلى رأس هذه التحديات تحدي إعادة التقسيم الإداري لضمان تحقيق التوازن، وتطبيق اللامركزية، والاستغلال الأمثل للموارد، و في اعتقادي لابد من أن يتم ترسيم إقليم جديد من المقاطعات الأربعة (امبود، وكنكوصه، وباركيول، وسيلبابي) الأفقر على المستوى الوطني، والمتجاورة طبيعيا على أن يتمتع الإقليم بسياسات تمييزية تفضيلية في المجال المالي، والاستثماري، والضربي ،والكهربائي، والزراعي مع استغلال الموقع الاستراتيجي لمقاطعة امبود، ومواردها المائية لجعلها عاصمة الإقليم الجديد، ومحرك المنطقة ،مما سيضمن تحقيق نقلة نوعية، وإحداث تنمية حقيقية، وإشراك للمناطق المستهدفة في الدورة الاقتصادية الإنتاجية الوطنية.

أما التحدي الثاني والأبرز فيخص التمكين من خلال التعليم والتكوين، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن التأسيس لبناء المدرسة الجمهورية عماد المواطنة والإنصاف، وتكافؤ الفرص خطوة جبارة في الطريق الصحيح لكن إقليم آفطوط الجديد نتيجة للفقر المدقع لأساب تاريخية ومناخية معروفة، وكذلك نتيجة للتقري العشوائي من أجل العيش على ما تجيد به الطبيعة شبه الصحراوية الشحيحة قد يكون بحاجة إلى تمييز إيجابي مناطقي في مجال التعليم والتكوين يتبنى فكرة في التعليم تكمن المشكلة والحل معا، ويكرس مبدأ التعليم كأولوية عن طريق تحديد مناطق ذات أولوية تربوية اعتمادا على قاعدة بيانات وحسب معايير اقتصادية، واجتماعية، وتعليمية موضوعية على أن تتولى الحكومة وعلى نفقتها الخاصة إنشاء المدارس التجميعية مع الكفالات المدرسية وإيواء التلاميذ المنحدرين من المناطق المصنفة سلفا، هذا بالإضافة إلى فتح مراكز التكوين المهني، وتنفيذ برامج تدريبية حول وسائل الإنتاج الريفية للشباب الأميين، والمتسربين من المدرسة.

ويتعلق التحدي الثالث بالتمكين العقاري الزراعي الذي نعتقد أنه بوابة لنهضة زراعية قد تحول المنطقة إلى سلة غذاء في الوطن، مما قد يعزز من تسريع وتيرة تحقيق الأمن الغذائي الوطني، هذا التمكين يتحقق من خلال التحكم في مصادر المياه السطحية عن طريق تشييد السدود، وإستصلاح وتوزيع الأراضي الزراعية مع إصدار شهادات ملكيتها للمواطنين الذين توارثوا زراعتها أبا عن جد، خاصةإستصلاح الأراضي التابعة لسد فم لكليته مع مراعات التوازن بين توفير مياه الشرب ومياه الري،  هذا بالإضافة إلى تطبيق سياسات تشجيع الإنتاج الزراعي على سبيل المثال لا للحصر: شراء الدولة لفائض الإنتاج الزراعي المحلي أو المساهمة الفعالة في تسويقه خارج الإقليم، بالإضافة إلى الدعم الفني الزراعي، والتمييز الإيجابي الضريبي، والطاقوي ...

التحد الرابع يتمثل في تعزيز الربط البري داخل الإقليم لفك العزلة عن الساكنة، وربط مزارعها بالأسواق الوطنية، ونعتقد أن الإقليم الجديد بحاجة إلى حوالي 75 مليار أوقية قديمة من أجل إنشاء البنية التحتية و خاصة الطرقية.

أما التحدي الأخير فهو مرتبط بتعزيز التمكين السياسي والوظيفي، والحد من نفوذ المشيخة التقليدية المحافظة على التراتبية، والتمييز على أساس المكانة لاجتماعية المتوارثة، وهو ما يتيح للبعض، وربما لأسر بعينها في ربوع ولاية كوركول تصدر المشهد السياسي والوظيفي منذ نشأة الدولة وحتى اليوم. معضلة خطيرة تضع مصداقية الدولة على المحك، كما تساهم في التأزيم الشرائحي، وربما العابر للحدود، فلا معنى للحديث عن التمييز الإيجابي والتمثيل الحكومي للولاية يمرعبر بوابة تفتح على جهة واحدة، ولا معنى للتمكين السياسي والتمثيل النيابي لمقاطعة امبود بلون واحد، وفي اعتقادي رسالة الولاية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وتصويتهم نكاية بمنظومة التقسيم الاجتماعي العمودي، والفشل التنموي خير دليل على ذلك.

زيارة فخامة رئيس الجمهورية لقلب مثلث الفقر قد تكون الفرصة الأخيرة لبرنامج " تعهداتي" التنموي، ومشتقاته لتحقيق تقدم ونتائج ملموسة على أرض الواقع في منطقة عانت كثيرا من تراكم فشل السياسات التنموية في العقود الماضية، الفشل الذي لم يعد مقبولا نظرا لتطورات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، والتحديات الأمنية الإقليمية الخارجية.

تصفح أيضا...