وصول المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة إلى طريق مسدود

سبت, 20/06/2020 - 13:17

وصلت المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة، بحضور الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي وجنوب أفريقيا إلى طريق آخر مسدود، بعد سبعة أيام متواصلة من التفاوض اقتربت فيها الخلافات في المسار الفني وتباعدت في المسار القانوني، في مشهد فسره الخبراء على أن إثيوبيا لا تريد التزاما لما اتفقت عليه، وتكرر سيناريو مسار واشنطن مرة أخرى في هذه الاجتماعات، فرعم تأكيدات الطرف السوداني بأنه حدث توافق حول الأمور الفنية بنسبة أكبر من 90 %، إلا أن الالتزام القانوني لما تم التوافق عليه فنيا دائما مايجد عقبة كبيرة من الجانب الإثيوبي.

 

إنهاء المفاوضات

الدكتور محمد عبد العاطي وزير الموارد المائية والري المصري أكد من جانبه عقب انتهاء الاجتماعات أن مفاوضات سد النهضة التي أجريت على مدار الفترة الماضية لم تحقق تقدما يذكر، وذلك بسبب المواقف الإثيوبية المتعنتة على الجانبين الفنى والقانوني، حيث رفضت إثيوبيا خلال مناقشة الجوانب القانونية أن تقوم الدول الثلاث بإبرام اتفاقية ملزمة وفق القانون الدولي، وتمسكت بالتوصل إلى مجرد قواعد إرشادية يمكن لإثيوبيا تعديلها بشكل منفرد، وقال: وسعت إثيوبيا إلى الحصول على حق مطلق فى إقامة مشروعات في أعالى النيل الأزرق، فضلاً عن رفضها الموافقة على أن يتضمن اتفاق سد النهضة آلية قانونية ملزمة لفض النزاعات، كما اعترضت إثيوبيا على تضمين الاتفاق إجراءات ذات فعالية لمجابهة الجفاف، وذكر الوزير أنه رغم طول أمد المفاوضات على مدار ما يقرب من عقد كامل، إلا أن مصر انخرطت فى جولة المفاوضات الأخيرة التي دعا إليها السودان بحسن نية سعياً منها لاستنفاد واستكشاف كل السبل المتاحة للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن حول سد النهضة، بما يؤمن لإثيوبيا تحقيق أهدافها التنموية من هذا المشروع، مع الحد فى الوقت ذاته من الآثار السلبية والأضرار التى قد يلحقها هذا السد على دولتي المصب، ولكن للأسف استمرت إثيوبيا فى مواقفها المتشددة، موضحا أن إثيوبيا اعترضت في ختام اجتماعات وزراء الري على اقتراح بأن تتم إحالة الأمر إلى رؤساء وزراء الدول الثلاث كفرصة أخيرة للنظر فى أسباب تعثر المفاوضات والبحث عن حلول للقضايا محل الخلاف، ما أدى إلى إنهاء المفاوضات، واختتم عبد العاطي تصريحاته بالإعراب عن التقدير العميق لمبادرة السودان بالدعوة لهذه الاجتماعات ومساعيه الجادة لدعم المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق.

خلافات قانونية

في الوقت نفسه أصدرت وزارة الري السودانية بيانًا قالت فيه إنه سبقت هذه الجلسة اجتماعات اللجان الفنية والقانونية سعيًا للتوصل لحلول مرضية وعادلة حول القضايا الخلافية، وأضاف البيان: رغم التقدم المعتبر الذي تم تحقيقه في الجوانب الفنية المتعلقة بملء وتشغيل سد النهضة، إلا أن الخلافات في الجوانب القانونية كشفت عن خلافات مفاهيمية حقيقية بين الأطراف الثلاثة حول عدد من القضايا على رأسها مدى إلزامية الاتفاق وآلية حل النزاعات، وعدم ربط الاتفاق بأي اتفاقيات أخرى باعتبار أن الاتفاق الحالي يفترض أن يتعلق بملء وتشغيل السد وليس بتقاسم حصص المياه بين الدول الثلاث، وتابع البيان: وعلى ضوء هذه التطورات طلب الوفد السوداني إحالة الملفات الخلافية لرؤساء الوزراء في الدول الثلاث للوصول لتوافق سياسي بشأنها بما يوفر الإرادة السياسية التي تسمح باستئناف المفاوضات في أسرع وقت بعد التشاور بين وزراء الري في الدول الثلاث.

 

مشاورات السودان

أما وزارة المياه والري الإثيوبية فقالت في بيانها إن المفاوضات الثلاثية بين إثيوبيا ومصر والسودان حول قواعد التعبئة الأولى وتشغيل سد النهضة استمرت لليوم السابع على التوالي من خلال الفيديو وبحضور المراقبين، وأضاف البيان: الفرق الفنية و القانونية في الدول الثلاث أجرت مشاوراتها في جلسات متوازية قبل الاجتماع الوزاري، وأبلغت نتائج عملها للاجتماع الوزاري الثلاثي، وأوضح البيان بأن أبرز القضايا الفنية تم حلها من خلال التفاوض، وتابع البيان: ومع ذلك فإن الانتهاء الكامل للمفاوضات يتطلب حلا القضايا القانونية، مشيرا إلى قيام الوفد السوداني بالإبلاغ عن التقدم المحرز والتماس التوجيهات من رئيس الوزراء السوداني، وأفاد البيان باختتام الاجتماع، والاتفاق على استمرار المفاوضات بعد إجراء السودان لمشاورته، مضيفا أنه: وبغض النظر عن ضمان التشغيل الأمثل للسد فإن المفاوضات تتطلب تعقلا لحماية حق إثيوبيا الدائم على النيل الأزرق، وبالمثل أيضا تتطلب المفاوضات من مصر والسودان أن يتخذوا مسارا ذا رؤية يسهم في تحقيق التعاون المستدام ويحترم سيادة البلدان والمنفعة المتبادلة، وأكد البيان على حق إثيوبيا في ملء وتشغيل سد النهضة على أسس المبادئ المنصوص عليها في اتفاقية إعلان المبادئ، كما أوضح أن إثيوبيا على قناعة بأن الدول الثلاث يمكن لها أن تختتم المفاوضات بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، والتوصل إلى نتيجة تزيد من فوائدها.

 

مخاطر على الروصيرص

السودان أكد عدم قبوله الملء الأحادي لسد النهضة إلا بعد توقيع اتفاق بين البلدان الثلاثة، وأقر عن وجود مخاطر من قيام السد علي بحيرة الروصيرص، وقال وزير الري والموارد المائية ياسر عباس في مؤتمر صحفي (الأربعاء) إن خطاب السودان لمجلس الأمن بأن سد الروصيرص يبعد حوالى 100 كيلومتر من سد النهضة، موضحا أن بحيرة سد الروصيرص تمتد إلى الحدود السودانية الإثيوبية وتبعد 15 كيلومترا من سد النهضة، لافتا إلى أن السعة التخزينية لسد النهضة 74 مليارمتر مكعب وهي تساوي 10 أضعاف السعة التخزينية لسد الروصيرص، قائلا مالم يتم التنسيق فإن هنالك مخاطرة في تشغيل سد الروصيرص، وأكد موافقة السودان على قيام سد النهضة باعتباره مبدأً أساسياً في القانون الدولي للاستخدام المنصف والمعقول من غير إحداث أثر ذي شأن، منوها إلى مواصلة السودان في التفاوض حتى الآن بنفس هذا المبدأ، مشيرا لأن الأتيام الفنية السودانية فى جميع مراحل التفاوض لسد النهضة كانت ومازالت تضع مصلحة السودان والأجيال القادمة في المقدمة للتفاوض، مجددا التزام الحكومة بمراعاة مصلحة السودان في جميع مراحل مفاوضات سد النهضة التي لا تتعارض مع مصلحة مصر وإثيوبيا.

اختلاف البيانات

ومن قراءة البيانات الثلاثة للقاهرة والخرطوم وأديس أبابا يلاحظ بعض الاختلافات، ففي الوقت الذي أعلن فيه السودان رفع الأمر لرؤساء الوزراء لاتخاذ قرار سياسي بشأن المفاوضات، أكدت مصر أن إثيوبيا رفضت هذا الاقتراح، في وقت أعلنت فيه إثيوبيا أنه تم الاتفاق على إستمرار المفاوضات بعد إجراء السودان لمشاورته، فهل هناك نية متفق عليها لمواصلة المسار التفاوضي من جديد، أم أن عبارة (المفاوضات إنتهت) والتي جاءت في البيان المصري هي الفاصلة؟، وإذا كان طريق التفاوض السلمي قد باء تماما بالفشل فما هي الخيارات الأخرى المتاحة بين مصر والسودان لوقف إصرار إثيوبيا على الملء الأول للسد مطلع الشهر المقبل؟

 

لا يريد التزاماً

الدكتور ضياء القوصي مستشار وزير الري المصري الأسبق قال إن الاختلافات القانونية بين مصر وإثيوبيا تتمثل في أن الجانب الإثيوبي لا يريد التزامًا واضحًا وصريحًا تحديدًا في هذا التوقيت، لأن أعمال السد شبه متوقفة والمعارضة محتشدة، مضيفا أن الخطوة التالية واضحة وهي اللجوء لاتفاقية واشنطن، والضغط على إثيوبيا عبر الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي بعد بيان التعنت الإثيوبي، مضيفا أن الحل الثاني يتمثل في اللجوء لمجلس الأمن مرة أخرى، لافتًا إلى أن الأمور الفنية والقانونية معقدة للغاية، وإذا كانت أديس أبابا تريد توقيع اتفاق بدون تسوية المنازعات، والتعاون في الملء والتخزين عبر لجان تنسيقية والإخطار المسبق قبل بناء أي منشآت على النيل الأزرق لن تحل القضية.

خندق واحد

أما الدكتور مساعد عبد العاطي الخبير المصري في القانون الدولي فقد أكد من جانبه أن المفاوضات كشفت عن استمرار التعنت الإثيوبي، وعدم تجاوبه مع أي مقترحات. وقال عبد العاطي لـ(اليوم التالي) إن ذلك يغلق الباب أمام أي مبادرات جديدة، ويؤكد أن إثيوبيا تصر على التوجه الانفرادي نحو ملء الخزان، بما يستوجب على مصر والسودان ضرورة التنسيق التام والتعاون الكامل في التوجه فورا بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي، مضيفا يتم من خلال هذه الشكوى حشد كل الضغوطات والحجج لوضع مجلس الأمن أمام مسؤولياته، وشرح مدى تعنت إثيوبيا على الأمن والسلم بالمنطقة، وتابع: وكذلك الضغط الدبلوماسي على كافة المستويات، مع ضرورة توحد الموقف المصري والسوداني من خلال الضغط على إثيوبيا لأن نوايا أديس أبابا لم تعد خافية، موضحا أن مجلس الأمن مؤسسة سياسية وقانونية تنظر في المنازاعات الدولية، وأنه يملك صلاحيات لفض هذه النزاعات، وقال إن مصر والسودان لا تريدان إلا وقف الملء الأول والذي ينال من هيبتهما معا، وقال: إذا ما أصدر المجلس قرارا في هذا الصدد فسيمثل ضغطا كبيرا على إثيوبيا، لافتا إلى أن وجود المراقبين في المفاوضات كان مجرد شهود عليها، مؤكدا أن القاهرة والخرطوم في خندق واحد مهما كانت التحديات السياسية التي تغلب على ذلك، وقال إن انهيار السد سيكون كارثيا على السودان، وبالتالي يجب على البلدين أن يكونا على قلب رجل واحد.

تصفح أيضا...