معضلة ديون الرضا (حيثيات للاستحضار) / محمد المنى

أربعاء, 17/06/2020 - 23:27

طالعتُ في الأيام الماضية الأخيرة أفكاراً ومقترحات عديدة طُرحت لإنهاء مشكلة ديون الشيخ الرضا، بعد أن أصبحت معضلةً اجتماعية عويصة ضحاياها آلاف الفقراء الذين دعتهم الحاجة أو الجشع (أو هما معاً) لبيع بيوتهم لممثلي الشيخ الرضا، وفي نهاية المطاف وجدوا أنهم فقدوا البيوت ولم يحصلوا على الثمن الذي يدين لهم به الشيخ وممثلوه. وقد تراوحت هذه المقترحات بين إعمال «القانون الأعمى» بحق الرجل وتلامذته، دون أي تردد أو التفات إلى الواقع والعواقب، أي تقديمهم جميعاً إلى المحاكم وسوقهم نحو السجون، حتى وإن لم يثمر خلودهم في الزنازين أوقيةً واحدة لصالح الدائنين. ومنها إيجاد تسوية يضحّي فيها أصحاب المنازل الأصليين الذين باعوها للشيخ بأسعار مرتفعة جداً، وكذلك مشتروها الذين آلت منه إليهم بأسعار منخفضة جداً.

 ويضيف البعض إلى المقترح الثاني مُطالِباً بإشراك رجال الأعمال والمتبرعين من أهل الخير والإحسان، لبلورة حل ثالث يبدو أشمل وأضمن من سابقه (الثاني). ثم يتحدث مقترح رابع عن ضرورة حضور الدولة وتحملها جانباً مهماً من تكلفة الحل، لاسيما أنها سكتت لسنوات على عملية «شبيكو» الجارية تحت بصرها وسمعها، رغم الأصوات التي تعالت محذِّرةً من عواقب عملية كهذه. بل هناك من يؤكد على ضرورة إسهام الدولة مالياً في التسوية المقترحة، بالنظر إلى حقيقة أن بعض كبار المسؤولين الرسميين وشبه الرسميين كانوا ضالعين في كثير من بيوع «المكتب التجاري للشيخ الرضا»، رغم تأثيراتها الواضحة على أسعار السوق العقاري في نواكشوط طوال سنوات متتالية.. ومن ثم فلا يمكن للدولة أن تتنصل من مسؤوليتها بهذا الشأن، بعد أن شاركت بالصمت أو بالضلوع المباشر في حدوث الأزمة، لذا يتعين عليها الآن أن تشارك في إيجاد التسوية وفي ما تتطلبه من تمويل غير يسير.

وفي نهاية المطاف فمهما يكن الحل الذي يتقرر اعتماده أو تبنّيه من أجل طي ملف ديون الشيخ الرضا، أو بالأحرى من أجل إنهاء معاناة الآلاف الضحايا الفقراء الذين فقدوا بيوتهم وعقاراتهم، فإنه يتعين أن نتذكر بعض الحيثيات المهمة في هذا الخصوص:

  أولاها أن الشيخ الرضا إنما استدان بتلك المبالغ وأثمان العقارات من أصحابها، وهو يعول على أموال كان موعوداً بها (من الداخل والخارج)، إذ لا يخفى على أحد أن للشيخ تلامذة ومريدون اعتادوا لسنوات أن يقدموا له هدايا مالية سخية للغاية. كما أن هناك أشخاص كثيرون كانوا يطلبون منه الدعاء والرقية والقراءة عليهم.. لذا فقد تلقى منذ أواخر التسعينيات أموالا ضخمة كان ينفقها بسخاء ودون حساب. لكن إيراداته دخلت فيما بعد مرحلة التذبذب والتناقص، دون أن يغير مستوى إنفاقه وعطاياه لآلاف المحتاجين (وغير المحتاجين)، مما اضطره للاستدانة في انتظار وصول أموال جديدة (من الداخل والخارج). وبالفعل كانت هذه الأموال تصل في أكثر الأحيان، وإن بشكل متناقص، وظل الشيخ على مدى سنوات يسدد ديونه في آجالها غالباً.. بيد أن الفجوة بين الإيرادات والنفقات زادت واتسعت كثيراً، وبدأ العجز عن تسديد الديون في آجالها يدفع مساعديه إلى التوسع في الاستدانة من أجل الوفاء لبعض الدائنين. وهكذا انزلق المكتب التجاري للشيخ الرضا في أزمة ديون لم يجد لها من حل سوى مزيد من الاستدانة ومراكمة الديون. 

وثانية هذه الحيثيات أن الشيخ الرضا الذي استدان بتلك المبالغ الطائلة من أصحاب العقارات السابقين، لم يهرّب الأموال إلى الخارج ولم يخبئها في صناديق تحت الأرض، وحتى لم يقتن منها بيتاً لنفسه.. وإنما أنفقها على آلاف الفقراء والمعوزين والمرضى وأصحاب الحاجة. ونعلم أنه كان للشيخ الرضا ممثلون في كل من دكار وتونس والدار البيضاء، انتدبهم هناك لاستقبال ومتابعة أحوال مئات المرضى الموريتانيين، الفقراء والمعدمين، الذين كان يتعهد بتكاليف علاجهم في العواصم الثلاث.  

 وثالثة الحيثيات بهذا الشأن هي أن الشيخ الرضا ليس مصرفياً ولا خبير محاسبة ولا مدقق بورصات، ولا حتى تاجراً بالمعنى العام.. لذا فالأرجح أنه لم يكن مدركاً لمآلات «العملية التجارية» التي ورطه فيها معاونوه، والذين يُعتقد أنهم أخفوا عنه جوانب من الصورة الحقيقية لنشاطهم ومحصلاته الحسابية المباشرة، إلى أن خرج الوضع عن السيطرة ووقع الفأس في الرأس ولات حين مناص. 

 ولعل تلك بعض أهم الحيثيات التي ينبغي استحضارها لدى الشروع في بلورة أي تسوية محتملة لمعضلة ديون الشيخ الرضا، بعد أن باتت مأساة اجتماعية وإنسانية لآلاف الأسر الفقيرة في نواكشوط، مما يصيب المجتمع بوجع لا يمكن الاستمرار في تحمل فاتورته المادية والأخلاقية إلى آجال مفتوحة على آفاق بلا آمال.

تصفح أيضا...