اللبن والرغوة وولد الغزواني والگرّايْ / عبد الله اتفاغ المختار

خميس, 23/04/2020 - 13:54

لقد منّ الله علينا، ووقانا ما تتخبطُ فيه أقوى الدول من خسائر بشرية ومادية، بل إنّ ما وصلنا  من تداعيات "اللبن والرغوة"، حملَ في طياته نعماً ودروساً كبيرةً..

تحمل الساسةُ المسؤولية، وكان من السهل في جو الوفاق السياسي الذي تعيشه البلاد، أن تنبري الموالاةُ والمعارضة في طريق واحدٍ، يلعبُ كلُ طرفٍ فيه دوره غير منقوص.. فكان أن رفع الجميع شعار "موريتانيا أولاً".. ولهجت ألسنة قادة الرأي بهذا الشعار وما تزالُ تلهج به. 

لبّى جنود القوات المسلحة النداء، ووقفوا هناك على الثغور، يحمون الحوزة، ويمنعون تسلل المتسللين، وهي المرة الأولى التي يقفُ فيها الجيش الوطني والدرك والحرس والشرطة معاً على كل شبر من حدودنا الطويلة والصعبة، من "انجاكو" إلى "فصالة" إلى "الشكّات" إلى "لكويره"، ولا يغيبُ عناّ مشهدُ أكُفِّ جنودنا، آناء الليل وأطراف النهار، وهي تدقُ بهدوء أبوابَ بيوت وأكواخ الفقراء لتُسلمهم المؤونة..

أطباء موريتانيا سخّروا وقتَهم للمرضى دون مقابل، وكأنهم في عياداتهم الخاصة، كانت هواتُفهم مُشرعة طوال الوقت، وكانوا يحضرون للبيوت في أي لحظة للقيام بالواجب، دونَ منٍ ولا أذى.. قُلتُ الأطباء، لأنّنا تعودنا على حنان الممرضين أكثر من الأطباء في الظروف العادية، ولأننا غالباً نبحث عن حنان الأطباء، أو بعضهم، في عياداتهم الخاصة..

الشرطة والحرس والدرك المكلفون بتطبيق الحظر، تناسوا فظاظتهم المعهودة، وأضحوا، على تشددهم في تطبيق الإجراءات، أماً رؤوما وأباً حانياً على الضعيف وذي الحاجة.. كانوا مُسعفين للمرضى الذين يضطرون لكسر الحظر في طريقهم للمستشفيات.. وكان رقمُ النجدة رقمَ نجدةٍ بحق وحقيقة..

برهنَ التجارُ حتى الآن على زيف التُهم الموجهة إليهم بالجشع، فعلقوا انتهاز الفرص إلى وقت الرخاء.

برهن الشعبُ بكل فئاته وشرائحه على استعداد كبير للبذل والعطاء، وتسابق الجميع مسؤولين ورجال أعمال ومواطنين عاديين إلى التبرع لصالح الصندوق الوطني لمواجهة كورونا...

برهنَت موريتانيا على أنها تملك شعباً واعياً، يجمعه شعور واحد بالانتماء، لكن من أينَ لهذا الشعب بهذا الوعي الطافح وبهذه الوطنية الجمة؟

لن يطرحَ أحدٌ هذا السؤالَ، ولن يقبل بالجواب أيضاً..إن الدروس التي يُقدمها المُعلم والأستاذ، على ضعف مرتبيْهما، وتدني مكانتهما في السلم الاجتماعي لم تذهب أبداً أدراجَ الرياح..إن تلك الدروس غير المقدرة حقّ قدرها، ، هي التي أثمرت هذا التضامن وهذه الوحدة، وهذه الوطنية..

سيقولُ مكابرٌ: نصف المجتمع لم يلِجْ فصلاً دراسياً، صحيح، لكن النصفَ الذي وصلَ إلى الفصول الدراسية، عادَ بزادِه وبزادِ من ينتظرونه من غير المُتَعلمين.. وإذا كان طعام الواحد يكفي الاثنين فإن عِلمَ الواحد يكفي كل من يصله.

صحيحٌ أنها المرة الأولى التي تُختبر فيها وطنيتُنا ومدنيتنا، وكما نجحنا في هذا الاختبار، فإننا نؤمل جميعاً في الرئيس ولد الغزواني أن يُرتبَ الأولويات من أجل النجاح في بقية الاختبارات..

فخامة الرئيس، ندركُ جميعاً أنكم ورثتم تركة ثقيلة من الفساد واللامبالاة والاستهتار بالعلم وبسدنتِه..لكنه عارٌ ما فوقه عارٌ أن تبقى أجورُ المعلمين والأساتذة في الحضيض..

مأساةٌ أن يتسوّلُ مُعلمٌ أو أستاذٌ صاحبَ مدرسة حرة للحصول لديه على حصة أو حصتين، تعينانِه على الكفاف.

سيدي الرئيس، إنها فضيحةٌ ما فوقها فضيحة أن ترفضَ أسرةٌ زواج ابنتها من أستاذٍ أو مُعلمٍ وأن يكون المبرر: "هوّ امْسَيْكينْ أفْطَنْ ألا حَدُو گرّايْ"..

عبد الله أتفغ المختار - صحفي