لحراطين في الأدب... ذكرى الرق والعشق والجمال

أحد, 2016-05-01 20:40

لكوارب أنفو

لحراطين أو العبيد والعبيد السابقون، جزء أساسي من منظومة التاريخ والحاضر والماضي في هذا البلد، إنهم وهج الحياة الذي صهرته المآساة ودموع هذا
 
الوطن الذي أدمن البكاء والرقص على جراحه منذ انسلاخ الطين عن شفتي المحيط في هذا الأرض البائسة.
 
في الشعر كما في يوميات الحياة، كان للحراطين حضورهم، جرحا لا يندمل وقصة عشق وجمال، تترنح بين مفاهيم وذكريات متصارعة.
 
وتكشف الأمثال الحسانية جانبا مُهما من نهر الاحتقار الذي أغرق فيه الأرقاء في موريتانيا حيث قضت الثقافة السائدة بأن "ابلد فيه العبيد ما ينفظحو فيه البيظان"( ) وحظى "غزي لعبيد" (جيش العبيد)بنصيب وافر من التنكيت الساخر حيث قتله العطش وتحول إلى "صمب في رجله صمب"( )حيث إنه يخاف الأعداء في النهار وفي الليل يخاف الثعابين.
 
ويشير مثل آخر إلى صرامة الأوامر والتكاليف التي يجب على العبيد أداؤها، حيث تظهر العبارة السائرة التي يرددها العبيد والإماء "ال داير لعبو يزيان اسبك هم البيظان" وعبارة " الخادم ادوروها اعربها" وقد انتقلت هذه العبارات الأخيرة إلى عالم التصوف والروحانيات وأًصبحت نداء للتشمير إلى القيام بالواجبات عبادية أو اعتيادية، وتقتضي الثقافة السائدة بأن يظل العبد عبدا لو كانت "زماحته نقرة"( ).
 
كما ظلت الأَمَة إنسانا لا يُنتظر منه إسداء آراء حكيمة، كما يشير إلى ذلك امحمد ولد أحمد يوره( ) في أبياته السائرة:
 
قالت لنا أمةيا ذا وذي اجتمعا
 لكي يخفف كل منكما سقمه
فقلت للخود بالمولى لها استمعي
فالرأي يا نزهة الدنيا تراه أمه( )
 
وحظي "توحيد خادم ولد بون" باستخدامات متعددة باعتباره مثالا للإيمان السلبي الساذج الذي لا يدفع إلى عمل إيجابي، أو يكون في الغالب وسيلة لتسويغ الإحباط والأخطاء.
 
وتَكشف طلعة للأديب المرحوم الطيب ولد ديدي جانبا من تلك التخصصات المهنية التي وكلها المجتمع للعبيد،حيث لا يجد الطيب أي وسيلة لاستعطاف إحدى الإماء المغاضبات إلا أنه يتقن تلك المهام بشكل كامل:
 
كِتِّيلِ يَالْمِنٌكْ مَزْهُودْ
عَنٌكْ ما يِسْريلِكْ مَوْجٌودْ
مَاهٌ محْمٌودْ إِلٌ مَعْهٌودْ
والٌ شَقْرَانْ إلٌ مٌزْيَانْ
غَيْرْآنَ يَبَاشِتْ لِغْيٌودْ
رَانِ لِكْ زَدَانَ غَفْلَانْ
بَرْبَارْ إِلَى بَرْبَرْتْ إِنْعٌودْ
وِيلَاتَيْتْ إِنْفَاتِنْ فَتَانْ
وِبْكَوْمِ مِنْ بٌزَاتْ اكْعٌودْ
وَكْحَلْ مَانِ كِيفْ الْبِظَانْ
ءدَبٌوسِ وَتَاشِ مَهْرُودْ
كِيفِتْهَ مِنْ فَضْلْ السٌبْحَانْ
وِنْكِدْ إِنْعُودْ إِسْمِ مَحْمُودْ
وِنْكِدْ إنْعُودْ إسْمِ شَقْرَانْ
 
ولا ينسى الطيب في طلعة أخرى، الحديث عن حرطانية دلهته مشيتها وتهاديها، فيقول:
 
يامس فالتسدار اعشيّ
شافت عيني حرطانيّ
تتواط هاك اتواطي
بالشور اتواطيهَ باطِ
وانسيت اللي بين ايديّ
واللي عالق بيّ خاطِ
عودان اتواطيه هيّ
هو هو كيف اتواطِ
 
لقد ظلت الحرطانيات السمر يخلبن ألباب الشعراء، إذا ما رمتهم الأقدار إلى شمامه أو ضواحي آدوابة، حيث تتهادى تلك الأقمار السمر في أسمال الفقر الذي لا يمكن أن يمنع سهام العيون من الاستقرار في قلوب العشاق، كما وقع للشيخ ولد مكي:
 
ياَنَ من خـَادمْ شَقبُـوكْ == لَيْعَاتْ.. أُحَـــزْم ..إنُــوبَـــــــكْ
لَأَهــْل اكْـدَبَوْبَــَكْ بَيْ بُوكْ == خَــادمْ لَأَهلْ اكًدَبَـــــوْبَـكْ
 
كما تكشف طلعة غزلية أخرى للأديب أحميدا ولد امسيد جانبا من العلاقة بين السادة والعبيد، خصوصا عند مواسم الحصاد:
 
مَصَــح أكلَيْثَمْ گــــطَّتْ جَاتْ = لَدبَـــــايْ أفْدَابَرْ واعْطَاتْ
أعْشَرْتَ ايَّامْ ؤُتوْفْ ؤ رَاتْ = أفْلَحْرَاطِين أكْثر منْ مِيتْ
مَـــدْ ؤمــنْ تَغَلِّيت امْــــلاَتْ = أزْگايــــب وَامْعَ ولْ أمَّيْتْ
أسَّــــدْبَاتْ ؤگـــاستْ تِيتَاتْ = وامْشاتْ افْذيكْ التَّاسَدْبِيتْ
ابْشِ ثَــــانِ بِيهْ اسَّــــدْبَاتْ = مَــــــنْ دَابَرْ مَــــــاهُ تَغَلِّيتْ 
 
ويحتفظ الأدب الحساني أيضا بمقطع عنصري مقذع تَركَه أحد الأدباء الناقمين على العبيد:
 
ورخست بالعبيد اتواحيد
وورخست بالعبيد ولخدم
 
ورخست بالعبيد ابعيد
ورخست ال تلحك لعظم
 
غير أن الأدب حفظ كذلك نماذج طيبة من الثناء على أخلاق بعض الأرقاء، حيث نقرأ لمحمدن ولد الشيخ أحمد الديماني في مدح موال أعانوه على حفر بئر:
 
جزى الله هنضام بن كيج فإنه
أشاد عثارا عنه الأقدام زلت
ولازال محمود بن همذ كاسمه
فأفعاله قطعا على الخير دلت
وهذا ولولا مقدم السالك الفتى
علينا لملت قومنا ولكلت
 
ويبدو طريفا أو على الأقل غريبا بالنسبة للمؤلفين في علم الأنساب في موريتانيا أن الباحث محمد فال ولد عبد اللطيف يخصص مبحثا من كتابه عن أنساب  "بني أعمر أديقب الديمانيين" للحديث عن أنساب الموالي والعبيد السابقين في عشيرته، متحدثا عن أهم شخصياتهم وعن علاقاتهم العامة، وموردا طرفا من الأدب الذي خلد في مدحهم.
 
وفي هذا الصدد أيضا حظي رجل الأعمال: همدي ولد محمود بمدائح من بعض الشخصيات الأدبية في عصره، ومن ذلك قول أحدهم:
 
همدِّي للسترَ معهودْ :: إنَيّرْ فيهَ وِ سَدِّي
منهوّ راجل لاهِ إعودْ :: فالستْرَ كيفَتْ هَمّدِّي
 
كما نال العبد الصالح بلال الولي كثيرا من المدائح والتوسليات ومن ذلك قول الشيخ محمد المامي:
 
يَمُلان بركتْ بلال :: والسر إل بينُ وياك
أغفَرْ للعلمَ واجهال:: واغرَفْ للحجماتْ امن اسماك
يملان بركت بلال :: والسر إل بيني وياه
ال من ذ الناس اذلال :: درتُ سد امبين وياه
 
وفيه أيضا يقول العلامة امحمد ولد أحمد يوره عند زيارته لضريحه في لمسيحة بإنشيري:
 
حي المسيحة واذر الدمع واسترح :: ما شئت ثم وبالمكنون منك بح
إن المسيحة من يمرر بساحتها :: عنه المآثم والأحزان تنمسح
 
وفي السنغال كانت دار الحاج اكويمل بن كوتل التندغي موئل الأدباء والشعراء والقادمين من كل طيف وهو الذي يقول فيه الشاعر الكبير محمد ولد أبنو:
 
نهضت لدار السيد الكامل الذي :: أياديه تنهل انهلال الودائق
"أكامل" أنت المستلَذ الخلائق :: وأنت الفتى الْمَرضيُّ بين الخلائق
وأنت الذي جُرِّبت في كل مشهد :: فأُلفيتَ مفتاحا لقُفل المضائق
وأنت الذي أولاك مولاك نعمة :: ففرقتها في الناس مثل المفارق
توالي لمن والاك أبهى بشاشة :: وتولي لمن أولاك أسنى العلائق
وتبسط للزوار كل أريكة :: منمقة محفوفة بالنمارق
وتسقيهمُ منك الحديث معتقا :: وتمنح صفو الود غير مماذق
 
كما كان لِعمار ولد امبيريك كناش خاص يكتب فيه الزوار مدائحهم وملاحظاتِهم المنظومة والمنثورة.
 
ويُظهر "اكطاع المدفع" بين الأدباء: أحمدو سالم ولد الداهي وأحيمد ولد أحيمد وعبد الله ولد جابل جانبا من تعاطي "أزمة اتسودين" في الأدب الحساني، حيث ينتقد ولد جابل على زميليه الشاعر والقائد العسكري استخدام مفردات "انمراي" "آتاش" في عهد الديمقراطية:
 
ول الداهـى واحميـد زيـن = ذاك الكال هــوم لثنـيـن
غير اسماو اكبيـل اتسوديـن= ماهُ زين اولا حتـم احـراش
اكـطـاع الديمقراطـيـيـن =ما يبـغِ ذاك امـن التنبـاش
احــن مــدّ مواطـنـيـن= عنصر عن عنصر مسمِ لاش؟
عن واحـد مازيـن اتعاييـن= الناس ابـشِ ذاكـو تفشـاش
فانفسهـم واتـاش امسيـكـن= عذرُ عن راصو مـاهُ فـاش
شـاكِ مـن مدفـع كاطلـلُ=عاد اصكر لكلاب اعـلاش؟
هـذا ماكـان اصـلا بـلـلُ =هاذ كان اصـلا بـل اتـاش 
 
ولاحقا سنجد في نص "الطبقية" للأديب محمد ولد آبواه دعوة إلى تجاوز النزعة الإثنية في تحديد الانتماء العام للإسلام أو للوطن.
 
امنيْن تنشر لعريظَة @@ فلْراسللن عرْبينَ
وتفوت تلحكٌ لحفيظَة @@ ففْعَال و اقوال انبينَ
محال تجبر تغليظة @@ يكون عن مسلة شينة
ونكريك تجبر لي عبدة @@ تنهان ذيكي منزهدة
يكون عبدة منعكٌدة @@ كٌدام دعوة نبينَ
جهال تصبح مرتفدة @@ و تروح عن خصلة زينة
يغير يومن تسهدة @@ وتعود تكٌرا مجتهدة
ذا الدين ماهي منكردة @@ و تجيب فيه الدندينة
تحرار من ذيك الكٌعدة@@ وتعود للدين اظمينة
و منين خلٌكٌ ملانَ @@ لانسان شكٌة وَسانَ
و منين قرآن جانَ @@ معاد كون مساوينَ
و انبيه كيفو ساوانَ @@ وبالدين كٌام مكٌادين
والله عن فخر انهانَ@@ بنساب خوف تفرشين
و تعود سب لخ۫لان@@ و انبيه كيفو ناهينَ
و اخبار هاذا بيظاني@@ و اخبار هاذا حساني
واخبار هاذا حَرطاني@@ واخبار هذا لحمينَ
و اخبار هذا فلاني@@ و اخبار ذاك ازناكينَ
و اخبار لعرب و الطلبة@@ و اخبار ذا استكوي فين
و اخبار لمعلٌم نسبة@@ والدين ج باتكٌادينَ
ذا النوع شتتنَ فتن@@ وايدور ظرك ايشتتنَ
و اتفوت لعمار اف فتنَ@@ غَرداو منها وذنينَ
و منين حسٌت علمتنَ@@ ومنين نحن حسٌينَ ا
ندور تحرك فتيتن@@ بعمال نشيطة زينة
إلين ترجع وحدتنَ@@ و اتعود وحدة دييٌن 
 
وعموما فقد كان لحراطين أو العبيد موضوعا من مواضيع الأدب غزلا وهجاء ومدحا أحيانا وربما نضالا في بعض الأحيان، دون أن يكون لهم في الغالب أثر كبير في الإنتاج الأدبي، باستثنينا أسماء قليلة جدا ينتمي أغلبها إلى الفترة الأخيرة، (حقبة ما بعد الاستقلال)، مثل المرحومين: سالم ولد امبيريك، والعسكري الأديب محمد ولد ميصارة، الذي غنت له النعمة بنت الشويخ بعض أدبه الجميل ومنه:
 
مندرتي يكان الي كان ::فاديار الصيف امن العزبان
ڭابظ من رڭبت تن زيدان :: إلَ ڭد ابير الصلاح
إڭلب فالصيف المرحان :: كل ابلد يعط فيه امراح
ڭبل العارظ ذاكو بلو :: واليوم امنين العارظ طاح
يكانُ طاح اعلّ تلو :: عن بلو لول ولّ راح
 
دون أن ننسى ذلك الصوت الهادر في تاريخ الأدب الحساني وعالَم الوجدان والشوق: الأديب "محمود مسومة" الذي حَفَر أثرا غائرا في ذاكرة الأدب الحساني أسال من خلاله دماء "جروحت الخد"  حسب تعبيره:
 
ابكيت في الدار انكوكي
واجروحت الخد ابانو
وامشات ولفي ييوكي
فاسلامت الله ومانو
ومن اغناه المشهور أيضا
لزمك ياسحاق اتم اتوك
راع لغمام اصبح مطلوك
أهاذ نوبت ياسحاق امروك
وكر الكوز ال يكطع بيه
وإتم القرد إحوز اعليه
من علب الفوك الفوك
أذاك الكوز أذ بلاع
الساع زاد أمن الساع
من حزم ما تور طاع
إلين إجيب يداع
 
ويمثل "محمود" في منطوقه الشعري محاولة يائسة للخروج على نواميس الطبقية من خلال التعلق بسيدته،سائرا عكس تيار مجتمعييفترض في العلاقة بين العبد وسيدته تقاليد الولاء والطاعة لا علائقالحب والهوى، ليكون حلمه الآسر -بأشكاله وتمثلاته المختلفة- أثرا داميا وجرحا خالدا