المعلوم ولد ابرهام رجل الدولة و حامل السراج .. " بورتريه"

خميس, 2015-12-31 18:21
المعلوم ولد ابرهام خلال توليه الوزارة سنة 1966

خاص - مراسلون / وُلِدَ المعلوم ولد ابرهام في 1930 لأسرة مُحافِظة في تكّانت، وتحديداً في تجكجة، التي، علاوة على ماضيها كمركز إشعاعٍ ديني وتجاري، قد صارت نُخبُها في العهد الاستعماري سبّاقة إلى التعليم العصري. حفظ القرآن الكريم بسرعة و"حنّى" يده باكراً.وشغف في يفاعته بالآداب الفرنسيّة وبزّ فيها أقرانَه.وبُعيد إكماله سلك الابتدائية في موريتانيا واصل دراسته الإعدادية في سان لويس بالسنغال في الأربعينيات. تُوفِيّ والده، المصطفى ولد ابرهام، وهو صغير، وبعيد وفاة زوج أمه، وكافل أسرته، الساموري ولد اخليفة، وقعت أعباء التكفل بالأسرة على عهدة المعلوم الشاب؛ فقرّرَ توقيف دراسته بغية راتب مُعيل وتخرّج مُدرِّساً وعادَ لموريتانيا ليعمل في حقل التدريس.

وكان من أوائل الأشياء التي اهتم بها المعلوم أثناء تعليمه العصري وبُعيد الانتهاء منه هي استدراك ما فاتَه من التعليم الأصلي، وخصوصاً الديني،فزاد فيه بعيد تخرُّجه، وبمجهودٍ ذاتي. وسرعان ما تمّ ابتعاثُه للتدريس في مناطق آفطوط وغيرها.وينيرُناعن فترتِه هذه شاهد عيان عرفه معلماً في مدرسة بالبادية بمخيم (افريكَ) في افطوط فيقول: " كان المعلوم رحمه الله يتجول ليلاً حاملا سراجه  ليراقب جدية التلاميذ في مراجعتهم لدراستهم..." ويضيف: "كان رحمه الله يحفظ قاموس اللغة الفرنسية بمختلف مصطلحات الكلمات. وقد تميز في تعليمه لها بمنهجيته الجذابة... وشاع خبره إبان عمله مُعلماً وخلال مساره الإداري و الحكومي مع تمكنه من الثقافة الإسلامية واللغة العربية الأصيلة... بالجملة كان قريبا من الأهالي واستطاع أن يُعلِّمَ لغة أجنبية في محيط محافظ"

 في تلك الفترة من الأربعينيات كان المعلمون والإداريون والمترجمون هم نواة الطبقة الوطنية الموريتانية الصاعدة. وسرعان ما صاروا نواة الحركة الوطنية التي قادَها لفترة كُلٌّ من أحمد ولد حرمة (الذي كان مُدرِّساً هو الآخر ) ثم سيدِ المختار ولد يحيى انجاي. وكان المعلوم، كغيره من هؤلاء المتعلمين ذا اهتمام بالشأن العام، وخصوصاً من باب مطالعاتِه اليومية وارتباطه بالحدث.

وقد تمّت ترقيته في الخمسينيات والستينيات إلى مفتِش تعليم فقام بأعمال رقابيّة تربوية في أنحاء مختلفة من الوطن.

وفي إطارِ هذه العلاقات أثار المعلوم إعجاب رئيس دائرة تجكجة آنذاك، أحمد ولد محمد صالح، الذي أوصى به المختار ولد داداه.والتقى المعلوم بالمختار ولد داداه، الذي أُعجِب بثقافته، وعيّنَه وزيراً للخارجية في 21 فبراير 1966 ليبقى فيه ثمانية أشهر  حتى 8 أكتوبر 1966 حيثُ عيّنَ وزيراً للاقتصاد الريفي.

 و رغم أنّه غادر قطاع الخارجيّة ليعمل بقيّة مساره المهني والوزاري في القطاعات الداخليّة إلاّ أن عمله في الديبلوماسية والخارجيّة لم ينقطع تماماً.

فقد ظلّ في أيام توزُّره على العدل يقومُ بمهمات متعلِّقة بوزارة الخارجية حيث كان مثلاً المبعوث الخاص لرئيس الجمهورية، المختار ولد داداه، في زيارة يومين إلى الصين في 14 فبراير 1976.بل إنّه عمل وزيرَ تصريف لوزارة الخارجية جنباً إلى جانب مهامه الوزارية الأخرى في عام 1971.

كانت محطته التالية هي وزارة العدل، التي تركَ فيها أثره الأبرز، وخصوصاً عندما عمّمَ مرسوماً إدارياًّ يقضي ببطلان الممارسات الاستعبادية هو المرسوم الشهيربـ"رقم 8"، الصادِرِ بتاريخ 5 ديسمبر 1969.

 وتكمن أهميّة هذا المرسوم في أنه يُوثِّقُ الممارسات الاستعبادية ويُسجِّلُ موقِفاً حجاجياً ثم تحريمياً تجاهها.

وكانت إرهاصات تحريم الحكومة الموريتانية للممارسات الاستعبادية وإبطالها قد بدأت بتعميم إداري أطلقته دائرة نواذيبو التي ترأسها في منتصف الستينيات المفوض العام، محمد الأمين ولد حموني، الذي سيصبِحُ لاحقاً رئيساً للمحكمة العليا، حيثُ واصل عمله تحت وصاية المعلوم ولد ابرهام.

حرّرَ المعلوم ولد ابرهام المرسوم 8 ووقّعَه باسمه وتبدو آثاره وثقافته التنويريّة واضحة في لغة التّعميم.

يبدأ التعميم بالتأطير مُخبِراً بِعلم الوزير ببعض الخصومات القضائية بشأن "اليد العامِلة الخادمة"،  ومن ثمّ يُنبِّه إلى أن العبودية ومتعلقاتها مُلغاةٌ من كلِّ قوانين الدولة الحديثة.

يعتمد التّعميم على شرعيتين، دينيّة وحداثيّة، لإلغاء العبودية ومتعلقاتِها. فيقول في الشرعيّة الدينيّة إن العبودية شُرِّعت في الدين من أجل أسر الكفار ثم جعلِهم يعتنقون الإسلام. وأنّه، بالتالي، لم يعد لها معنى في بلد مسلمٍ 100% كموريتانيا. وفي الشرعيّة الحداثيّة يُحيل المرسوم إلى أن القوانين الموريتانيّة التي تتخِّذُ القوانين الفرنسيّة، وبالأخصِّ الثورة الفرنسيّة مرجعاً دستورياً لدستور موريتانيا في 1961، قد ألغت العبودية وألغت كلّ أساسٍ للتمييز العرقي و الإثني والفئوي.

ويشير المرسوم إلى أن قانون العمل الموريتاني، الصادر في 1963، والمتماشي مع الاتفاقات الدولية في 1926 و1956، ينفي كلّ عملٍ قسري.ويُفضي البيان إلى تعداد الحالات الاستعباديّة التي وصلت إلى وزير العدل وهي:

  1. - اغتصاب "الأسياد" لممتلكات "العبيد"
  2. - حرمانهم من الزواج بحجة أن زيجاتهم باطلة لأن "الأسياد" لم يوافِقوا عليها
  3. - مطاردة "الأسياد" لـ"العبيد" "الآبقين" أو "الفار ين" إلى آدوابه
  4. - محاولات "الأسياد" فرض مغارم وادعاء ديون على "المستعبدين".

 ويختم البيان بوصف هذه الممارسات بالمُفارقة أو البائدة والمتناقضة مع الحكم العصري ويأمرُ بإنهائها.

 

في السنوات اللاحقة شغل المعلوم منصب وزارات الشباب والرياضة (1969) والإعلام ووزارة الحِرف والسيّاحة (1974) قبل أن يعود لقطاع العدالة في 1975 في "حكومة الكفاءات" التي عُيِّنَت في أغسطس 1975 و التي كانت حلاًّ لصراعات قوية بين المكتب التنفيذي لحزب الشعب وبقيّة لجان الحزب، وخصوصاً المجلس الوطني للحزب المتكون من 120 عضواً.

وقد وصف المختار ولد داداه هذه الإصلاحات التي أنتجت هذه الحكومة بأنها الإصلاحات التي أنهت "ثنائية الحكومة والحزب". ومهما يكن من أمرٍ فإّنها أعطت صلاحيات قطاعيّة قوية للوزراء وشملت تمثيلاً لميثاقيي الكادحين، نواة اليسار الموريتاني. وشهدت تعيين كل من سيدي ولد الشيخ عبد الله وزيرا للاقتصاد والشيخ سعد بوه كان والمصطفى ولد الشيخ أحمدو وعبد العزيز صال وحمدي ولد مكناس الخ.

 

كأي شخصيّة عامة في العهد الدّاداهي تمّ تداول مسيرة المعلوم ولد ابرهام في الروايات الشعبيّة والروايات الشفوية حيثُ تُروى عنه عدّة حكايات تُركِّزُ غالباً على كفاءته وبراعته في الآداب الأجنبيّة وورعه تجاه المال العام. فيُروى أن الرئيس الأديب السنغالي، سنغور، أُعجِبَ في إحدى المناسبات بفرنسيته وأطرى عليها المختار ولد داداه. ويقول إداريٌّ عمل معه:

"كانت الرئاسة حينها ترسل للوزراء عند سفرهم في مهمة إلى الخارج طرداً مغلقاً يحوي مبلغاً مخصصاً لتكاليف إقامتهم. وكان المعلوم رحمه الله يستدعيني في مكتبه بعد عودته من السفر ويعطني نفس الطرد المغلق ويأمرني قائلا: رد هذا للمجتبي (يعني المجتبى ولد محمد فال رحمه الله الذي  كان حينها مديرا للديوان) وقُلْ له إن الناس الذين كنت عندهم تحملوا تكاليف إقامتي" فيقول المجتبي رحمه الله: "هذا بعد ما اعدلو ماهو المعلوم" ...كان يسجل كلما صرفه في إسفاره أو يثبته بفاتورة مهما قلّ كثمن قهوة قدمها لزائرأتاه في مكان إقامته في الخارج أوكمبلغ رمزي دفعه لسائق أو لوكيل للتشريفات.  وكان مواظبا على الصلاة في العمل و لا تشغله عنها أي مهمة مهما جسمت".

ويُضيف معاصر له من ذويه أن أولى أولوياتِه بُعيد رجوعه من مهماتِه الخارجية كانت إعادة مال البعثة الديبلوماسية إلى الخزينة العامة. ولا شكّ أنّ هذه الخصال كانت مساعِدة في تحويله إلى عمل الولايات حيثُ خرج من الحكومة وعُيِّنَ والياً قُبيل إسقاط حكومة المختار ولد داداه. ويُقال أن موضِعه الجديد كان سبباً في عدم اعتقالِه مع أعضاء الحكومة في يوليو 1978 كما حدث مع أقرانِه،  فكان ذلك من طالع سعده – وفق تعبير إحدى السيدات -،.

 رفضَ المعلوم لاحقاً عرضاً بالعمل مع الحكومات العسكرية، رغم أنّه ساعدَ الحكومة الموريتانيّة في مرافعاتِها في شأن النزاع السنغالي الموريتاني في 1989، وذلك بعيد طلبٍ من رئيس الدولة، العقيد معاوية ولد سيد احمد الطايع. وظلّ مُحجِما عن العمل العام حتى بدأت إرهاصات الديمقراطية في مطلع التسعينيات، عندما اختير أميناً عاماً لمنظمة العمد الموريتانيين.

تُنبِئُنا مراسلات الأمين العام لمنظمة العمد الموريتانيين عن محاولات طموحة للعمد لعب دورٍ سياسي وخصوصاً دور ضميرٍ أخلاقي للدولة الموريتانية.

 و يبدو أن المنظمة ناقشت وضغطت بفعل بعض المنخرطين فيها على حكومة ولد الطايع بشأن الاغتيالات السياسية التي حدثت في نواذيبو في 1990، وذلك حسب شهادة منشورة لعمدة افديرك حينَها، أحمد ولد حَبَتْ.

كما يبدو من وثيقة للمعلوم ولد ابرهام أنّه أوصل إدانة باسم العُمد لاختطاف حقوقيين سنغاليين في موريتانيا واعتبر ذلك عملاً إرهابياً.

ورغم تناقص صلاحيات "رابطة العُمد" في السنوات اللاحقة إلاّ أن المعلوم ولد ابرهام ظلّ يواصِلُ بها مهامه الإدارية حتى عهد قريب.

كانت لديه فكرة أن التغيرات السياسية اللاحقة في البلد أنتجت تقاليد سياسية مختلفة تماماً عن التقاليد التي قامت عليها الدولة الموريتانيّة الأولى. وكان يوصي بالحذر.

توفيّ في التاسع والعشرين من ديسمبر 2015، بينما كان يتوضأ للصلاة. وقد صُليّ عليه في مسجد "ولد انبوجة" حيث كان يهادى به إلى الجامع و توصله سيارة على قصر المسافة 100 م التي لا يقوى على اجتيازها ،

أذّن  المعلوم ولد ابرهام لصلاة الصبح في يومه الأخير ، ثم وُوريّ جثمانُه الثرى في مدفن "لكصر" عصر نفس اليوم. لينطفئ سراج حمله المعلوم معلما يتجول به بين طلابه ثم حمله وزيرا محررا و واليا عادلا و إطارا متمكنا و شيخا عابدا ، رحمة الله عليك والدنا الأغر  

إنا لله و إنا إليه راجعون.