الأعمال الفنية الملتزمة في أدب الأطفال / د. عبد الله ولد حمدي

خميس, 17/10/2019 - 11:52

لا جدال ان إصلاح التعليم يشكل حجر الزاوية فى اي نهضة منشودة وهو ما أدركه مبكرًا الرئيس المنتخب مؤخرًا فى موريتانيا حين أنشأ وزارة خاصة للتعليم الأساسي، وأسند اليها مهمة الإصلاح المنشودة لإيمانه العميق بأن الطفل هو المضغة التي إذا صلحت صلح  المجتمع واستقام أمر البلد، وتطور نحو الأفضل. 
                                                                      
‎ إن ثقافة الطفل تشكل فى زماننا العمود الفقري لرواد النهضة المعاصرة على اختلاف مشاربهم وأطرهم المرجعية لإدراكهم العلاقة المتينة بين إعداد الأجيال الصاعدة ونهضة الأمم فكريا وحضاريا. لذا نرى الغرب يضخ استثمارات ضخمة فى كل حقل له علاقة بهذا المجال  كالتعليم والصحة والإعلام والمسرح والسينما... لإعادة صياغة شخصية الطفل وفق المرجعية المنشودة. فهل يملك رواد الإصلاح في زماننا مشروعا بديلا للنهوض الحضاري يحصن هوية أطفالنا فى عصر العولمة دون عزلهم عن اقعهم المعيش ومتطلباته الجمة؟
  هذه مقاربة أولية لهذا الموضوع تتوخى لفت الانتباه إليه وجعله هما مركزيا  في معركة إعادة البناء لخلق جيل فاعل غير مستلب.
وأعني بالأدب الملتزم تلك الاعمال الفنية الهادفة، التي تعكس مضامين التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان بمفهومه الواسع في ثوب فني ممتع  بديع، يستهدف فئة الأطفال وعالمهم النفسي والوجداني، بأسلوب جمالي مبسط، يشد الطفل ويلبي حاجاته فى اكتشاف المجهول عن طريق خلق مسرح هادف وأفلام كرتونية بديلة ونصوص شعرية إبداعية...
  وتتكون الدراسة من ثلاثة محاور؛                              
‎  ا) محور تقييمي لمسيرة أدب الطفل فى الأدب المقارن واستشراف آفاقه المستقبلية. 

 ب) المضمون الإصلاحي الملتزم فى أدب الأطفال المعاصر: الخصائص والسمات المطلوبة
ج) الطفل وتحديات العولمة

ا) لقد اعتمد أدب الأطفال عندنا عبر التاريخ على تدريس شذرات متناثرة في كتب التراث كمقامات الحريري ومختصر العجائب والغرائب للمسعودي وكتب ابن المقفع وغيره وعلى مبادرات فردية تقوم بها الأمهات وكبار السن، تتمثل في حكايات وقصص وأشعار تفتح آفاق الطفل وتوسع مداركه العقلية، ولكن رغم أهمية كل ذلك لم يعد كافيا وحده، لذا صار من اللازم تطوير ذلك الموروث وتقنينه حتى يتلاءم مع احتياجات الطفل المعاصرة والتحديات التي تواجهه بفعل تأثير قنوات الأطفال الفضائية وغيرها.                           
ب) المضمون الملتزم المنشود: ستشكل الفنون التالية أهم الحقول المراد تطويرها لترتقي إلى المضامين المنشودة: الشعر، القصص، المسرح والدراما..                                           
- فن الشعر والإنشاد: يهدف هذاالمحور إلى خلق خطاب شعري يملأ الفراغ بتلبية احتياجات الطفل الجمالية والروحية عن طريق خلق نصوص شعرية إبداعية شبيهة بما يحيط بهم يوميا، ولكن بمضامين جديدة هادفة.
- القصص: يركز هذا المحور على تقديم مادة قصصية هادفة تستلهم مضامينها من الأُطر المرجعية التالية: قصص الأنبياء في القرآن الكريم، واستلهام قصص التراث عن عالم الحيوانات وغيره، ثم قصص الأطفال فى التراث الانساني. 
إن استلهام هذه المضامين الثلاث وتجاوزها بخلق أدب قصصي مبسط، بعيد عن التعقيد قد يساعد فى إعداد جيل مبدع متوازن معتز بدينه وثقافته شاهد على عصره.  
- المسرح والدراما: تشكل السينما والمسرح والأفلام الكرتونية عنصرا جذابا للأطفال، الأمر الذي يتطلب تقديم تصورات بديلة تمتع الطفل وتغذيه نفسيا وعقليا، ويمكن تحقيق ذلك عن طريق تشجيع المسرح الإسلامي وأفلام الكرتون وكتابة التمثيليات المسلية مع التركيز على المضامين الترفيهية الهادفة التي تنمي المواهب وتغذي العقول وتربط الأطفال بالأهداف السامية.
 إن كتب الحيوانات والطيور التي أشرت إليها سابقا يمكن أن تشكل مرجعا ثريا لهذه الأعمال الفنية إذا هي جردت من الألغاز والنظرات الفلسفية المحيرة وأعيدت صياغتها من جديد في ثوب فني قشيب يراعي القيم الأخلاقية للأمة.  
ج) الطفل وتحديات العولمة:
 لقد أصبح العالم يعيش فى غرفة واحدة مما فرض على الطفل نموذجا بديلا وهو فى بيت أهله المغلق، الأمر الذي أقصى تدريجيا دور الأسرة والبيئة المحيطة، وفسح المجال واسعا للوسائل التقنية المعاصرة لبث قيم جديدة فى غفلة الأبوين فنشأت اجيال لا تعرف للآباء قيمة ولا قدرا فى الذاكرة الجماعية فتلاشت سلطتهم وتقلصت  مملكتهم، وظهر ما يمكن أن يعتبر صراع أجيال: جيل العالم الافتراضي وجيل الكبار المنسي الذي لم يستطع أن يغير طرقه التربوية، فضاعت فئات شبابية عديدة بفعل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وقساوة منهج بعض الكبار في بعض الأحيان.. فهل من مقاربة جديدة تدعم الروابط بين الجيلين لخلق النهضة المرجوة، تستجيب لتطلعات الأطفال، وتحول دون القطيعة مع الآباء؟
هذه إضاءات لمشروع بحثي طموح؛ أريد لفت انتباه رواد التغيير في بلدنا إلى أهميته في النهضة الحضارية المنشودة. إن إنشاء مركز للطفولة مختص بالثقافة والفنون سيكون انطلاقة موفقة لهذا المشروع البحثي، فهل ستدرك النخبة  ذلك، وتبادر برسم بديل ممتع فى الأدب والفن لأطفالنا جيل المستقبل!

*مركز الضياء الكندي / كالغري