الحد وشبهة الخلاف / الفقيه محمد ولد بتار ولد الطلبه ( في موضوع استتابة الكاتب المسيء)

أربعاء, 10/07/2019 - 01:33

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

اطلعت على كلام منسوب لبعض قضاة العصر ذكر فيه أن خلاف الشافعي وأبي حنيفة في عدم استتابة كاتب المقال المسيء شبهة تدرأ عنه الحد. وهذا -إن صح عنه- خطأ فادح في فهم النصوص وتنزيلها على الوقائع لا يليق بمن يتصدى للبت في مسائل الحلال والحرام فضلا عن المسائل المتعلقة بحرمات الله تعالى.

أما كون الخلاف شبهة تدرأ الحد فهو مسلم بشرط أن يكون الخلاف غير ضعيف المدرك جدا كما سنبينه، والفقهاء يعبرون عن هذه القاعدة بقولهم تارة "الخلاف شبهة" وبقولهم "شهرة الخلاف شبهة".
لكن من تتبع فروع القاعدة تبين له أن الخلاف إنما يعتبر شبهة حيث يكون له تأثير في حكم الفعل الذي صدر من المكلف لا إذا كان الخلاف فيما يترتب عليه.
مثاله أن يحصل فعل يعتبر زنا على قول، لكنه لا يعتبر زنا على قول آخر؛ فهذا يُدرأ الحد عن صاحبه لأن المخالف يرى أنه لم يرتكب زنا فلا حد عليه، وهذا هو الخلاف الذي يعتبر شبهة تدرأ الحد. ولهذا أمثلة كثيرة في كتب الفقهاء؛ منها مسألة العدة التي قال فيها الشيخ خليل في المختصر : "وفيها لو تزوجت قبل الخمس بأربعة أشهر فولدت لخمسة لم يلحق الولد بواحد منهما وحدت واستشكلت". قال االدردير في شرحه: استشكل بعض الشيوخ عدم لحوقه بالأول وحدَّها حيث زادت على الخمس بشهر؛ إذ التقدير بالخمس ليس بفرض من الله ورسوله حتى إن الزيادة عليها بشهر تقتضي عدم اللحوق، وهذا الاستشكال مفرع على أن أقصى أمد الحمل خمس، وأما على أنه أربع فلا إشكال.

قال الدسوقي في حاشيته: وقد يقال: إن الإشكال مفرع عليهما معا؛ لأنه قد نقل عن مالك أن أقصى أمد الحمل ست سنين، وروي عنه أنه سبع؛ فالخلاف شبهة تدرأ الحد فتأمل. اهـ الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (2/474)

فالمرأة في هذه الصورة على قول من يقول إن أقصى أمد الحمل ست سنين أو سبع لم ترتكب زنا؛ لأن ولدها لاحق بالزوج الأول، ولذا استشكل حدها مع أن من العلماء من يقول إنها غير زانية، والخلاف شبهة تدرأ عنها الحد. 
ومنها مسألة من تزوج امرأة كان قد طلقها ثلاثا في مرة قبل أن تنكح زوجا غيره، وهي المسألة التي ذكرها خليل في مختصره؛ وهذا نصه ممزوجا بشرح الدردير : (وهل) يحد مطلقا (وإن أبت في مرة) واحدة كقوله: أنت طالق ثلاثا أو ألبتة ولا التفات لقول من قال بلزوم الواحدة حينئذ لشذوذه أو إنما يحد إذا أبتها في مرات إذ لا شبهة له بوجه، وأما لو أبتها في مرة فلا يحد نظرا لوجود الخلاف. اهـ الشرح الكبير للشيخ الدردير حاشية الدسوقي (4/315)
فهذا الخلاف هنا درأ الحد على أحد التاويلين لأن المخالف يرى أن العقد صحيح فلم يحصل من الرجل زنا.
ومنها مسألة الأمة المحللة التي أشار لها خليل بقوله: (وكأمة محللة) قال الخرشي في شرحه : المشهور أنه لا حد على من وطئ أمة قد حللها له مالكها للشبهة، وعدم الحد مراعاة لمذهب عطاء القائل بجواز التحليل ابتداء. شرح مختصر خليل للخرشي (8/79)
فهذا الخلاف درأ الحد لأن المخالف يرى أن الواطئ هنا لم يقدم على حرام.

ومنها مسألة الخلاف في المقَوِّم هل هو شاهد أو مخبر، قال القرافي في الفرق الأول من قواعده في الصورة المركبة من الشهادة والرواية : رابعها مقوم السلع وأرش الجناية والمسروق والمغصوب وغيرها. قال الإمام مالك رضي الله عنه يكفي الواحد بالتقويم إلا أن يتعلق بالقيمة حد كالسرقة فلا بد من اثنين، وروي عنه أيضا لا بد من اثنين في كل موضع. ومنشأ الخلاف حصول ثلاثة أشياء شبه الشهادة لأنه إلزام لمعين، وهو ظاهر، وشبه الرواية لأن المقوم متصد لما لا يتناهى لا المترجم والقائف وهو ضعيف؛ لأن الشاهد كذلك وشبه الحاكم لأن حكمه ينفذ في القيمة، والحاكم ينفذه وهو أظهر من شبه الرواية.
فإن تعلق بإخباره حد تعين مراعاة الشهادة لوجهين:
أحدهما قوة ما يفضي إليه هذا الإخبار، وينبني على من أباحه قطع عضو معصوم.
وثانيهما أن الخلاف في كونه رواية أو شهادة شبهة يدرأ بها الحد. اهـ. (الفروق 1/10)
فهذا الخلاف هنا درأ الحد لأن القائل بأن المقوم شاهد يرى أن موجب الحد لم يثبت إذ لم يأت به إلا شاهد واحد، والحد لا يثبت بشاهد واحد.
ومنها عند الشافعية مسألة ترك الصلاة لفقد الطهورين؛ قال الرملي في نهاية المحتاج: ولو ترك الطهارة لها قتل كما جزم به الشيخ أبو حامد؛ لأنه ترك لها، ويقاس بها الأركان وسائر الشروط. نعم محله في المتفق عليه، أو كان فيه خلاف واه بخلاف القوي، ففي فتاوى القفال: لو ترك فاقد الطهورين الصلاة متعمدا، أو مس شافعي الذكر، أو لمس المرأة أو توضأ ولم ينو وصلى متعمدا لا يقتل؛ لأن جواز صلاته مختلف فيه. هـ
قال الشبراملسي في حاشيته: (قوله؛ لأن جواز صلاته مختلف فيه) أي فكان جريان الخلاف شبهة في حقه مانعة من قتله.هـ نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (2/429)
فدرءُ القتل هنا لأن المخالف يرى أن المصلي بلا طهارة أقدم على أمر جائز.

فبهذه الأمثلة يتضح أن الخلاف الذي يعتبر شبهة هو ما يؤثر في حصول السبب لا فيما يترتب عليه بعد ثبوته.
بل قد يحصل خلاف في حصول السبب ولا يعتبر شبهة لضعف مدركه؛ كخلاف الحنفي في شرب غير المسكر من النبيذ، فإنه لا يدرأ الحد عن شاربه عند المالكية والشافعية؛ قال الشيخ خليل في المختصر أول حد الشرب: (ولو حنفيا يشرب النبيذ) قال شراحه: فقد قال الإمام مالك: أحده ولا أقبل شهادته، وقال الشافعي أحده وأقبلها.
قال البناني في حاشية شرح الزرقاني: وإنما حد عندنا بالنبيذ لضعف مدرك حله. هـ شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني (8/197)

ولذا قال عز الدين بن عبد السلام في قواعده: وقد أطلق الفقهاء أن اختلاف العلماء شبهة وليس ذلك على إطلاقه، إذ ليس عين الخلاف شبهة بدليل أن خلاف عطاء في جواز وطء الجواري بالإباحة خلاف محقق، ومع ذلك لا يدرأ الحد، وإنما الشبهة الدارئة للحد ففي مأخذ الخلاف وأدلته المتقاربة كالخلاف في النكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح المتعة، فإن الأدلة فيه متقاربة لا يبعد كل واحد من المجتهدين إصابة خصمه عند الله عز وجل. قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/110)

وعلى كل حال فلا وجه لذكر درء الحد بالشبهة في واقعة كاتب المقال المسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن سبب حده -وهو حصول السب- ثابت لا شك فيه إذ لا يخالف أحد في أن كاتب المقال المسيء سب النبي صلى الله عليه وسلم واستهزأ به.
ووجود الخلاف في درء الحد عنه بالتوبة ليس شبهة تدرأ عنه الحد؛ لأنه خلاف فيما يترتب على السبب بعد ثبوته لا في ثبوت السبب كالمسائل السابقة المشمولة بالقاعدة.
وإنما يتأتى القول بأن الخلاف شبهة تدرأ عنه الحد لو كان ثم من يقول إن سب الأنبياء -نعوذ بالله-  جائز ، أو أن جنس ما صدر من هذا المسيء ليس سبا لنبي ولا تنقصا؛ فحينئذ يقول المالكي : أدرأ عنه الحد لأنه فعل جائزا على قول أو لأنه ليس سابا ولا متنقصا على قول، والخلاف شبهة، لكن هذا الخلاف لا يمكن وجوده.
إذ لا يمكن أن يقول مسلم فضلا عن مجتهد بجواز سب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، ولا القول إن التشكيك في عصمة الأنبياء ليس سبا لهم ولا تنقصا.

ثم إن درء الحد بخلاف الشافعي والحنفي في هذه المسألة ليس له أي معنى يُعقل؛ إذ لو كان قولهما بعدم الحد بعد التوبة شبهةً تدرأ الحد لم يسع المالكي ولا الحنبلي القول بالحد في هذه المسألة أصلا مع وجود خلاف الشافعي والحنفي في ذلك، وهذا ظاهر البطلان، لأن المالكية والحنابلة كالمجمعين مع من وافقهم من أئمة الشافعية على قتل الساب من غير استتابة، وعلى عدم درء الحد عنه بالتوبة، ولا يعتبرون خلاف غيرهم شبهة تدرأ الحد عنه .
فدرء الحد بهذا الخلاف يقتضي أنه لا يوجد خلاف، وهو باطل بلا خلاف، إذ يقتضي إثبات الخلاف حينئذ رفعه.

والله الموفق.