إلى صديقي النائب محمد الأمين سيدي مولود مرة أخرى / الهيبه الشيخ سيداتي

سبت, 23/03/2019 - 18:36

بداية، أعتذر لك ولغيرك ممن رأوا في نصيحتي الأخوية قسوة، أو تجاوزا في الأسلوب، وهو إن كان فمن باب الشفقة، و"الشفيق مولع بسوء الظن"، ويعلم الله أن دافعي للكتابة، ولتناول الموضوع بشكل عام، سواء عبر هذه الرسالة أو بطريقة مباشرة هو الاحترام والإعجاب، رغم الاختلاف الذي قد أكون فيه غير محق، بل وأتمنى أن أكون مخطئا في كل ما أتصور عنك هذه المرة من موقف ومآل مرتقب.
أقنعني ردك - دون مكابرة - في أمور، ولم يقنعني - ربما لقصور في الفهم أو عدم معرفة بالأحوال - في أمور اخرى. 
أولا: أقنعتني – بل في الحقيقة كنت مقتنعا - بما ذكرتم من تاريخكم المشرف، ومواقفكم النبيلة، وأزيدكم أني أعلم من ميزاتكم الشخصية ما لم تتطرقوا له في المنشور، ومن كفاءتكم العلمية والعملية ما لا يمكن أن يتسع له النص، وهي مدعمات أساسية لما ذكرتموه من صدق المواقف ونصاعتها، وكنت أعتقد أني كتبت ذلك ابتداء، وأؤكده انتهاء، رغم أن الصفة لا تنفي إلا ضدها، فأنا لم أتهم تاريخكم، ولم أنتقص - معاذ الله - من كفاءتكم.
ثانيا: أقنعتني - أيضا - ولم أكن بعيدا من الاقتناع في بعض تفاصيل ما ذهبتم إليه من نقد تلون الساسة في الواقع وحربائيتهم وصدود وانسحاب العديد منهم، وهو ما جعلكم في الواقع – وما زلتم إلى الآن - استثناء يمثل بارقة أمل بعيدا عن الحربائية، والتحول الفجائي في المواقف، والانسحاب السلبي، والانهزام أمام الواقع.
ولم تقنعني حين تحدثت - وتحدث غيرك - عن النصح في الملأ ومراتبه، فأنا أرى أن هذه من معوقات الوعي في موروثات "أهل لخيام"، ومن سلبياتها ما نحن فيه من نفاق يتبادل أصحابه علنا المجاملات، ويلتفت كل منهم إلى جليسه ليكيل عبارات التسفيه لمواقف الآخر. 
أعلم أني وإياك كنا – إلى فترة قريبة - نتبادل عبر الهاتف وفي المجالس والحديث والنقاش في الشأن العام، وحتى حول ما نكتبه في الفضاء العام، وكنت أتصور أن موضوع الرسالة جله – إن لم يكن كله - كان محل نقاش بيننا كلما تحدثنا في الموضوع، رغم أنني أيضا مقتنع أن المواقف العامة للسياسيين موجهة للرأي العام، وليس بالضرورة لأصحاب المواقف تثمينا للإيجابي، وتحصينا من السلبي، وأخذا بعبرة عموم الفعل وخصوص الفاعل معا، دون أن ينقص ذلك من احترامه اللازم وإجلاله.
لم أقتنع صديقي حين بالغت – أو هكذا بدا لي - في أنك ستوفر الأمن لتلك السيدة التي تفضل المبيت أمام البرلمان خوفا من جريمة انتشرت، ولا وظائف لعاطلين وأوراق توقع لداعمين، لم أقتنع ببساطة لأن هذه محاججة شبيهة بكلمات وجيه القبيلة التي سمعتها منه قبل عقود، إذ مبنى موقفه وأساسه هو أن "الدولة ما تعاند" ويجب أن يكون موقفنا يسمح بتوفير برفع الظلم عن "العيال"، وتوفير "العمل والخدمات لهم".
كنت أعتبر أنك ترى أن نضالك الصارم، وطريقك الذي اخترته، منطلقه ومرتكزه رفض هذا النمط من التفكير في المواقف السياسية، والذي يعتمد "مقايضة" الحقوق بالمواقف، وأتصور - كما قلت لك سابقا - أن من صوت لمعارض في البرلمان صوت له فعلا لنيل الحقوق، وتوفير الأمن، لكن من خلال النقد والتوجيه والضغط للإصلاح، لا من خلال وظيفة أخرى توفر جهدا محدودا لتحقيق ذلك - إن توفر ذلك الجهد وسلم من المحاصرة - كما يتم مع جهود الإصلاح الجزئي، وبالمناسبة فهي موجودة، ولم تغب يوما، لكنها محاصرة.
أخيرا، أدرك أن موقفكم لم يصدر بعد، وكتبت قبله ما رأيت أنه من اللازم استحضاره قبل اتخاذه، وأعلم صعوبة الموقف، وحساسية اللحظة، وضغط وتشتت الناصحين.
أتمنى لك التوفيق في حلك و"ترحالك" السياسي كل الخير، وأتمنى لحركة الوعي التي تشكلت وتتشكل بمساهمتك وجهدك مزيدا من الصبر، وطول النفس، والتألق وتنوع التجارب والقدوات.
وهناك ملاحظة لم أشأ تجاهلها، وأرجح أنها جاءت في جوابكم عرضا، ولم تقصدوا مدلولها، وهي قولكم - في سياق النصح - بأنك تتذكر جيدا من عارضوا ترشحك ومن سخروا منه، ومن دعموك ووثقوا بك، لأني لا أريد أن أفهم من هذا – ولا أن يفهم غيري – أنك تلمح إلى أنكم ممن لا يسمعون النصح ممن يخالفهم، أو حتى يعارضهم، ويفضلون نصح الموالين والمناصرين، والدائرين في فلكهم، فذك خلق أجلك عنه، بل أجزم أنه ليس لك بخلق، كما أنه طبع من "طباع المستبدين" أعلم أنك بعيد منه، وفي كل الأحوال، فقد قالت العرب قديما إن الحكمة تؤخذ من غير حكيم، فلتدخلني في دائرة غير الحكماء الذين يتطاولون بالنصح على مقامكم العالي المحترم.