جواب إلى صديقي الهيبه، بعد التحية! / النائب محمد الأمين ولد سيدي مولود (سجال)

سبت, 23/03/2019 - 09:11

جواب : لرسالة وجهها الهيبة ولد الشيخ سيداتي

قرأت رسالتكم الناصحة ـ رغم ما يقال عن النصح في الملأ ـ والإنسانية والأخوية أكثر من مرة، وكان لها أثر كبير في نفسي، وزادت ترددي في اتخاذ أي موقف في استحقاقات الرئاسة المقبلة، غير أن بودي أن أبين بعض النقاط التي قد تغيب عن من يقرأ رسالة صيغت بعناية من زاوية واحدة، وأهملت الكثير من الزوايا.

أولا من يقرأ هذه الرسالة يخرج بملاحظتين ولو ظنا: أنني قد اتخذت قرارا وأعلنت عنه بدعم مرشح معين، لا يروق لصاحب الرسالة دعمه، أو يراه خطأ كارثيا على الأقل عليّ أنا، والثانية أن من يقرأها يظن أنني مسؤول عن هذا الكون كله وظروفه انطلاقا من بائعات كسكس، إلى غاية الشركات الكبرى التي أفلست، وأنني أتيت أمرا فريا، أو شيئا إدَا إلى درجة أن زميلا وأخا أصبح يتوارى عن الأنظار مخافة تبرير مواقفي (سرقة مليارات من المال العام أو دسائس سياسية أو أكاذيب وأضاليل باطلة أو فساد أخلاقي كبير الخ) فأي مواقف ـ على الأقل الآن ـ تجعلكم تختفون عن أنظار بعض من صوت لي؟ هل كل هذا بسبب أنني قلت في مقابلة أنني لا أستخدم أي فيتو ضد أي مرشح وأنني سأتصل بالجميع، وقد اتصلت ببعض المرشحين، وسأسمع من الجميع وأُسمِع الجميع، وإن أي دعم سأقدمه لهذا المرشح أو ذاك سيكون في إطار مطالب وتفاهمات للصالح العام، وخاصة صالح الفئات التي أحمل على عاتقي مشاكلها منذ نعومة أظافري، ولن يكون للأمر دخل بمصلحة شخصية ولا مطمع أو مطمح شخصي، ولا بتقصير أو بتغيير في مهامي وواجباتي كنائب برلماني تجاه من انتخبوني، بل وتجاه الجميع.

هنا والمخاطب لم يعد أنتم فقد أخرجتم النصح للعلن، وأصبح الأمر بيد الرأي العام، سأرد على نقاطكم واحدة واحدة، وليسمح لي القراء إن لمسوا بعض "الذاتية" أو "الأنا" وإن تكلمت بما لم يألفوه مني بسبب مقتضيات المقام:

1 ـ أتذكر حال كثير ممن سبقوني من السياسيين، وأتذكر حماسهم ومبدئيتهم، وأتذكر من يعاصرونني الآن وتحولاتهم الخاطئة وإحجامهم السلبي أيضا، وسوف أحاول أن أستفيد من أخطائهم جميعا، دون أن يلزمني ذلك بمسار روتيني أو جامد قد يتجنب مآلهم هم، لكنه يمنع من تقديم نموذج مختلف تصرفا ورؤية وتعاط مع الواقع، وفي مدرستي ومساري وآليات زمني، ما قد يخلق الفارق إن صدقت الإرادة وحصل التوفيق.

فـ"في السياق" (وهو ما كنت فيه البارحة) لم أستخدم عبارات "التغيير من الداخل"، ولا "الإصلاح المتدرج"، ربما حصل توهم من المتلقي، أو افترض موقفا وبنى عليه أو تسرع، ورغم ذلك فهذه العبارات سيكررها صادقون وينجحون وآخرون ويفشلون، وسيستغلها محتالون بكل تأكيد. أما الكلام أنها تغر وتعمي عن الواقع فسابق لأوانه يستبطن حكما في الموقف لم يعلن ولم يقرر، وإعلان نتيجة على هذا الموقف أيضا، وتهمة استخدامها لمجرد التبرير دون إيلاء أي قيمة لحقيقة مضامينها تنفي ما تفضلتم من تزكية أعلاه، أو تكون تهمة غير واردة وحشو في الكلام لا يناسبكم.

2ـ نعم أتذكر "معركة الوعي" واستغرب أن تقول إنني كنتُ أخوضها بصيغة الماضي، فمن أين أتى جزمكم أنني تخليت عن هذه المعركة؟! أليست هذه رسالة سلبية للغاية وإعلان استقالة من لم يستقل بعد؟ ألا يعتبر هذا توجيها للرأي العام إلى رسالة مفادها أن فلانا تخلى عن كل ما كان يؤمن به في لحظة واحدة ودون سبب؟!
نعم التغيير لا بد له من صبر، والوعي لا بد له من تراكم، والتغيير قادم ومتنام، هذه قناعتي تشربتها وأنا طفل حين كنت أكتب في الابتدائية بخط يدي نشرية "الحقيقة" أنتقد فيها غلاء اللحم ومشاكل البلدية والسدود الريفية في مسقط رأسي قبل حوالي ثلاثين عاما حيث لا وجود لحزب ولا تيار ولا وصي أو مقلَّد، إلى ظهور قلمي قبل عشرين سنة في جريدة "اخبار انواكشوط" إلى مشاركاتي في الإضرابات الطلابية انتصارا لحقوق الطلاب أو انحيازا لقضايا الشعب والأمة، ثم في نضالات الميادين، ثم مسار عقد من الزمن في عالم التدوين وعالم الاحتجاجات والحركات الشبابية، مما دفعتٌ ثمنه حرمانا من التعيينات رغم تخرجي متفوقا من مدرسة الإدارة، ومن العمل في شبكة الجزيرة، وبين هذا وذاك ما تم عرضه من إغراءات في القطاع العام والخاص مقابل التخلي عن مواقف اقتنعتٌ بها، نعم اقتنعتُ بها ولم تفرض علي أو أقلد فيها حزبا ولا تيارا ولا شخصا وإن استفدت من الكثيرين وساعدني الكثيرون سأبقى ممتن لهم إلى يوم الدين. 
وهنا أؤكد لكم وللرأي العام أنني لن أشكل صدمة لرواد التغيير، ومن راهنوا علي وعليه أينما كنتُ، فإن دعمت أي مرشح سأدعمه بما يؤكد قناعاتي ويكرس مساعيّ إلى التغيير وسيكون ذلك علنا، وإن تغير موقعي أو مكاني ستبقى بصمتي ومبادئي وصراحتي وصدقي مع نفسي وضميري ومع من دعموني وأملوا فيّ خيرا كما هي. 
وإن قال قائل منصف ـ نعم منصف ـ "ذاك اص فات گالولنا ولد سيدي مولود". فإنه لن يجد ما يناقض ذلك القول، قولا أو فعلا في مقامات القول أو الفعل! 
وهل يمكن أن نحكم على الناس إلا بأقوالهم أو أفعالهم كل في سياقه؟!

3ـ نعم، أتذكر ألفي مصوت منحوني ثقتهم في آخر انتخابات ـ بالمناسبة هم 2500 ومن كل الاتجاهات معارضة وموالاة بل إن أغلبهم شباب مستقل ونواتهم الصلبة معي الآن في النقاشات وفي اتخاذ القرار لاحقا – وأظن أن أي منصف منهم، وكلهم منصفون يتذكرون العقد الاجتماعي بيننا والمتعلق بأدائي في البرلمان، وأجزم وأصرح أمامكم الآن وأمامهم أنني أكثر برلماني ـ على الاطلاق ـ حضورا للجلسات المغلقة والمفتوحة، وأكثر برلماني قدم ملاحظات وانتقادات وتعديلات واقتراحات فيما فات من النيابة، بل إن سبعة مساءلات تم تقديمها ولم تبرمج كانت أربع منها من طرفي، وثلاثة من طرف نواب موالين، ثم إنني أكثر برلماني على الاطلاق حضر احتجاجات المواطنين عمالا وطلابا وأصحاب مظالم ومشاكل وحاجيات، وأظن أنني أكثر برماني متاح اليوم لعموم الشعب من خلال هاتفي وصفحتي وبيتي، والوحيد في حدود علمي الذي فتح مكتبا منذ الحملة إلى الآن. فهل تظنون أو تريدون الآخرين أن يظنوا أن كل هذا سيضرب في صفر بمجرد دعم هذا المرشح أو ذاك؟ (ذاك ياسر من الخفَه)!

4ـ لا أتذكر صديقي العزيز التفاتة تلك الفتاة التي أقنعت والدتها بائعة الكسكس في الترحيل بالتصويت لي، ربما حصل ذلك، ولكن إن حصل فإنني سأبقى عند حسن ظنها ما دمت برلمانيا إن تعقبت أدائي فيه، وإن تغير مكاني أو منصبي وتعقبتني ستجدني أنا نفسي ذلك الطفل الريفي الرافض لواقع بلديته، والناشط الشبابي الساعي إلى التغيير، والبرلماني المنحاز للمواطن حيثما ماكان، وإن جاءت صفة أخرى ستتبعها نفس القناعات ونفس المسار ونفس السلوك.

"ذُا الل عدلنا النين شنهو؟" أوجه هذا السؤال إليكم، ولا أحب أن يكون جوابه قيل أنه سيدعم المرشح الفلاني، ينبغي أن يكون جوابه ـ إن كان بهذه المأساوية ـ هو لقد أبرم صفقة بموجبها حصل على المبلغ الفلاني أو المنصب الفلاني مقابل السكوت عن حقوقكم وإهمال واقعكم، حتى يكون هذا مبررا.

5ـ نعم أتذكر ذلك الشاب الكفؤ البشوش الذي واصل الليل بالنهار لأصل للبرلمان، وهو الآن خارج البلد بسبب تفليس شركته التي عمل فيها عقودا وإحالته للبطالة. ولي معه مشوار حياة من الصداقة والأخوة ومن العطاء سبق البرلمان، رغم أننا لم نكن في خندق سياسي واحد، وهنا أذكر للرأي العام لا له هو لأنه يعرفني أكثر منكم، أنني كتبت عن هذه الشركة كثيرا وقبل أن أفكر أنني سأصبح برلمانيا، وقمت بما أستطيع لتفجير مشكلها في الإعلام، وساءلت عنها وتساءلت، ليس لأن شابا كفؤا تربطني به أكثر من صلة يعمل بها، بل لأنها شركة وطنية صفيت فسادا ونهبا وتركت إرثا من العمال العاطلين والممتلكات الضائعة، مثل اخريات كتبت عنهم، وتساءلت عنهم وتظاهرت مع عمالهمٍ، فهل لدعمي أنا الآن لهذا المرشح أو ذاك علاقة بهذا الملف؟ هل هو مناط السكوت على هذه الشركة أو غيرها؟ وهل هناك مرشح كان مديرا لهذه الشركة أو وزيرا عليها؟ أم أنه خلط غير موفق قد يوهم القارئ أن لهذا علاقة بذلك!

6 ـ أتذكر صديقنا الحلاق الذي وثق تصويته لي بالفيديو، وأتذكر غيره ممن منحوني ثقتهم وأحسب أنني أقوم بالكثير من أجل إرضاء ضميري أولا وقناعاتي وللقيام ببعض ما كلفوني به من خلال هذه الثقة، لكنني أعتبر تواريك عنه اليوم في المسجد خشية أن يسألك عن الموضوع مبالغة كبيرة حتى لا أقول مزايدة أكبر، فما الذي يجعلك تتوارى؟ أسرق أخوكم أم كذب أو خدع؟ بل حتى هل اتخذا قرارا؟ ولو اتخذه لماذا وبماذا ومقابل ماذا؟ ألم يأت أي سياسي على الاطلاق بقرار لا تتوقعه منه؟ أو لم تر سياسيا يبرر قرارا ما؟ ألم تقم في حياتك بتبرير أي قرار على افتراض أن القرار قد اتخذ؟!!

7ـ نعم سوف أذكر قوافل الصلحاء الأكفاء ـ رغم أني لا أدعي الصلاح ولا الكفاءة ـ الذين اقتنعوا قبلي بضرورة "التغيير من الداخل" حين أقرر التغيير من الداخل و"الإصلاح المتدرج، والمؤسسي". وسوف أحاول استحضار تجاربهم وأخذ العبرة منها حينها.

8 ـ الآن بناء على نصيحتكم ـ العلنية الجيدة ـ سوف أحاول أن أستشرف المستقبل بعد خمس سنوات من الحديث الموضوعي الصادق الجاد في البرلمان، وسوف أضع احتمالات أخرى من بينها أن آتي بحصيلة أفضل من حصيلة برلماني متميز، وأخرى من بينها فرص الاستمرار في البرلمان وفرص استمرار البرلمان نفسه، وسوف أجعل نصب عينيّ كثيرين يتصلون بي يوميا من أجل أمور قد تكون في بعض الأحيان مجرد توقيع ورقة ولا يمكن الحصول عليها وسأتذكر دموع تلك السيدة المسنة عند باب الجمعية وهي تقول لي "والله يولدي أل نختيرو انباتو هون ـ أمام الجمعية ـ وأشبه فينَ وأكثر أمن، من نمشو شور ابلدن حيث لا أمن ولا مساكن، فلم تمنح لنا قطع أرضية نسكنها في حي شرم الشيخ وغزة"، وقد كتبت قصتها حيث لا أملك سوى الكتابة والتعبير!

وقبل أن أختم أريد أن أوضح للجميع أن منطلقي لن يكون مصلحة شخصية، وهنا سوف أكشف بعض الأمور الشخصية، فقد ضحيت باحتمال تعييني في الإدارة مقابل قناعتي وآرائي، وقد حرمت من العمل هنا لنفس السبب مع الجزيرة، وقد استقلتُ من العمل معها في داكار حيث كنت أتقاضى راتبا يفوق راتب أمين عام وزارة في بلدي، وفي عمل مريح ودون ضجيج، ولا علاقة له بحقوق الناس، ولا بكلام الناس، ورضيت بثلث ذلك الراتب في البرلمان مع ما جلبه من مشاق ومشاكل ومطالب وحاجات، وكل ذلك من أجل شعبي وبلدي وقناعاتي، واهتماما بالشأن العام، وهو اهتمام أدفع ضريبته يوميا من تعبي ومن تعب عائلتي، فقد خاطبتني سمية ذات السبع سنوات قبل أيام قائلة: "النين هاه هو حد عاد دبيتيه ما اتلاو اوليداتو يجبروه". ولعلها أسهل ضرائب هذا المسار، أما التأويل والتهم والنقد والأحكام المسبقة ومتابعات المسار الخاص والعام فحدث ولا حرج.

وأخيرا ومقابل تذكُّر كل ما تفضلتم به، والتذكير به، أقول أنني أتذكر جيدا من عارضوا ترشحي ومن سخروا منه، ومن دعموني ووثقوا بي، وأن كل ذلك يأتي في مقتضيات الشأن العام، كما أنني أتذكر وأعيي جيدا أنه لا يوجد ولن يوجد قرار سيكون محل إجماع من دعموني ومن صوتوا لي، بما في ذلك قرار الحياد، أحرى من صوتوا ضدي ومن نافسوني. ثم أختم أنني أرحب بكل الرسائل الناصحة ولو بنيت على ما لم يحصل بعد، وبكل الآراء الناقدة فقد عشت سنوات طويلة في نقد مسارات الآخرين ومن بينهم من ضحى أكثر مني بمسافات ضوئية.

وستبقى كل كلمات ووجوه من يأملون بي خيرا ثالث ضميري ونداءات من يحتاجون خدمة أفضل وتأثيرا أقوى، وسوف أحاول أن أوفق بين هذا وذاك اجتهادا وصدقا وجدية، فإن أصبت فمن فضل الله، وإن أخطأت فدروس الحياة تقتضي ذلك بعض الأحيان!