الكنتي يكتب : قراءة في يوميات غوانتانامو لمحمد صلاحي

ثلاثاء, 26/02/2019 - 12:27

حدث لم يسبق له مثيل...
"حدث لم يسبق له مثيل في عالم النشر على الصعيد العالمي للمرة الأولى يكتب سجين يومياته وهو لا يزال رهن الاعتقال في غوانتانامو."(ص:383)
تنتمي اليوميات إلى أدب السجون لكنها تختلف عنه من أوجه عديدة؛ منها أنها كتبت في السجن وتعرضت للسجن. فقد صادر الأمريكيون النسخة الأصلية للكتاب ولم يسمحوا بنشره إلا بحكم قضائي لم يمنعهم من إعمال مقص الرقيب في المخطوطة التي خرجت من السجن وآثار سياط الجلاد بادية عليها في شكل خطوط سود تخفي الفعل أحيانا وتسنده لمجهول أحيانا أخرى، وتحذف الأسماء، وتطمس الظرف الزماني والمكاني لممارسات خارج الزمن ويخجل منها أي مكان...
بدت اليوميات مثل الحمار الوحشي تتداخل خطوطها السود بخطوطها البيض لتكون أصدق تعبير عن حياة المختطف محمد صلاحي المدان بسبب سيرته الذاتية.. "نعم، أنت أخطر منهم. أنت ذكي جدا! بالنسبة إلي تنطبق عليك كافة المعايير لتكون إرهابيا من الطراز الأول. عندما أدقق في قائمة فحص الإرهابيين فإنك تحصل على أعلى الدرجات... أنت عربي، وشاب، وذهبت إلى الجهاد، وتتكلم لغات أجنبية، وزرت بلدانا عديدة، وخريج تدريب تقني... أنظر إلى الخاطفين، إنهم يتمتعون بذات الصفات." (ص:120 الترجمة العربية).
بعد الحادي عشر من سبتمبر وضع الأمريكيون مواصفات للإرهابيين الذين ينبغي سحقهم انتقاما لقتلى البرجين؛ كل من تتقاطع سيرته من العرب مع سير التسعة عشر ينبغي أن يدفع الثمن. فانطلق (هاري القذر) ينفذ عدالة الغرب الأمريكي في أرجاء العالم متعقبا الأشرار العرب الذين يتكلمون لغات أجنبية، وتخرجوا في جامعات عريقة وذهبوا إلى "الجهاد" ليكثروا سواد عملاء CIA في أفغانستان... يقول أحد المحققين الأمريكيين.." في عيون الأمريكيين أنتم مدانون... ويكفي أن تكون مسلما وعربيا حتى ندينك،.."(ص:245). 
بناء على شعور الأمريكيين بأن نموذجا محددا من الناس لا بد أن يكون مجرما، يطلق المحققون أحكام الادانة.. "لا يوجد معتقل واحد بريء في هذه الحملة،..." (ص:69)، وحين يحتج صلاحي.. "ولكني لم أرتكب جرائم بحق بلدكم!"، يأتيه الرد باردا لا يخضع لأي منطق سوى الانتقام ممن يعتقد الأمريكيون أن به شبها ولو بعيدا بالتسعة عشر.. "أنا آسف! ولكن حسبك أن تفكر بالأمر، كما لو أنك مصاب بالسرطان!"(ص:70). مجرد التفكير يكفي للإدانة، لذلك كان صلاحي على حق.. "لماذا أنا خائف؟ لأن الجريمة شيء نسبي، تعرفه الحكومة بطريقة ما، ثم تعود لتعرفه على نحو مختلف." (131) ولكي يتسنى لها التلاعب بهذا "الشيء النسبي" بلا حدود، تبقي الحكومة الأمريكية زمن الاعتقال مفتوحا.. "كم من الوقت سيستمر التحقيق معي؟ طالما لدى الحكومة أسئلة توجهها إليك."(96)
غوانتانامو معتقل خارج الزمان والمكان؛ لا يخضع لأي قانون، ولا تشمله الاتفاقيات الدولية، ولا مجال فيه لحقوق الإنسان.. وحدها مذكرة وزارة الدفاع الأمريكية التي وقعها رامسفيلد تقدم إرشادات للمحققين حول أفضل السبل للحصول على المعلومات من المعتقلين باستخدام تقنيات التعذيب. ولم يكن رامسفيلد راضيا عن تلك التقنيات؛ فقد احتج قائلا.. "لماذا يفرض على المعتقلين البقاء في وضعية الوقوف لأربع ساعات فقط! أنا أقف في اليوم عشر ساعات!" في وضع كهذا تنقلب الموازين؛ فالمعتقل مجرم ولا سبيل إلى إثبات براءته، لأن كل الأدلة الدامغة على البراءة تنسفها "أمور صغيرة".. "أنظر! لدينا العديد من التقارير تربطك بشتى أشكال الجريمة، ولكن لا يوجد ما يجرمك. هناك فقط الكثير من الأمور الصغيرة. لن نتجاهل تلك الأمور ونطلق سراحك."(239) لطالما ارتكز القانون على أن الشك في صالح المتهم. أما في غوانتانامو، حيث لا قضاة ولا محامون، وإنما سجانون ومحققون، فلا يمكن تجاهل "الأمور الصغيرة" التي يفترض أن للمعتقل علاقة بها.. "...لا يوجد شيء يجرمك حقا بتهمة، ولكن هناك الكثير من الأمور من المستحيل ألا تكون انخرطت فيها."(238)
تولّد من "الأمور الصغيرة" "الكثير من الأمور"، في أذهان المحققين، التي لا بد أن يكون المعتقل قد انخرط فيها، وهو أمر كاف لتبرير اعتقاله، وإخضاعه للتعذيب ليخبر المحققين كيف اقترف "الأمور الصغيرة" وكيف قادته إلى الانخراط في "الكثير من الأمور"، وما هي هذه الأمور على وجه الدقة وبالتفصيل؟ وبناء على ذلك يصدر الحكم.. "سنضعك في حفرة بقية حياتك. أنت مدان مسبقا."(262) ليدرك صلاحي أن الإدانة ملاذه الأخير.. "أدركت أن من الأفضل لبقائي حيا ألا أبدو بريئا،..."(335) فيعكف على تدوين "الاعترافات"...(يتبع، إن شاء الله).

تصفح أيضا...